يختلف مفهوم الوحدة الوطنية, حسب طبيعة المجتمعات, وتركيبتها السكانية, ودرجة تطورها من حيث مستوى التعليم والثقافة فيها. ودرجة نموها الاقتصادي . وتبدو الحاجة ملحة للوحدة الوطنية في ثلاث حالات: أولا: عندما يتكون المجتمع أو الدولة من مجموعة أو مجموعات سكانية تنتمي الى اعراق, أو قوميات, أو طوائف دينية, مختلفة. مما قد يفتح الباب لصراعات داخلية, أو حروب اهلية. وللمحافظة على وحدة المجتمع والدولة في هذا النمط من المجتمعات الذي يتعلق الأمر فيه بوحدة الشعب, يجب توفير اعلى قدر من المساواة بين اطراف التركيبة السكانية, وتمكين كل قومية من ممارسة حقوقها الثقافية, والحفاظ على تراثها, وتوفير الحرية الدينية لأصحاب الديانات المتعددة. ثانيا: عندما يتعرض أي بلد لعدوان أو غزو خارجي. ثالثا: في مرحلة التحرر الوطني, أي عندما لا يكون الشعب قد انجز مهمة تحرير وطنه من الاحتلال, وأقام كيانه السياسي المستقل. وفي الحالتين الثانية والثالثة, يتم انخراط كل القوى والفعاليات السياسية والشعبية في اطار موحد لتعبئة طاقات الشعب وامكانياته, ووضعها في خدمة قضية التحرر الوطني. وقياسا على الحالات الثلاث, يندرج الوضع الفلسطيني تحت العنوانين الأخيرين. وقبل ان أبدأ أشير الى ملاحظتين: أولا: ارجو ان يؤخذ رأيي في هذا الموضوع, في اطار الرأي والاجتهاد, وبالتالي فهو يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب, وكذلك النقصان, أو عدم كفاية الأدلة التي أسوقها. ثانيا: سأحاول ان أكون صريحا بقدر الامكان في هذا الموضوع, معطيا من جهة كل ذي حق حقه, ومن جهة اخرى محملا المسؤولية للطرف الذي قد اجتهد في تحميله المسؤولية, في هذه أو تلك من موضوعات الوحدة الوطنية, وبالتالي أرجو أن تُغفر لي هذه الصراحة, ولتؤخذ في اطار قول المحب, أو نقد الصديق. من البديهي القول: ان مفهوم الوحدة الوطنية يعني اتفاق أو توافق مجموع القوى والفعاليات والشخصيات الوطنية والشعبية على برنامج وطني, يجري فيه تحديد استراتيجية العمل الوطني تجاه القضية الوطنية, والتكتيكات المتبعة, وآلية التنفيذ. وفق كل مرحلة من المراحل, وتجاه كل ساحة من ساحات العمل, داخل الأرض المحتلة, وعلى المستوى العربي, والاقليمي والدولي. هذا هو الاطار العام لفهم موضوع الوحدة الوطنية, عندما يتعلق الأمر بقضية تحرر وطني كقضية فلسطين أو بحركة تحرر وطني, كالحركة الوطنية الفلسطينية بل ربما كانت قضية الوحدة الوطنية بالمفهوم الذي اشرنا اليه, مرتبطة بالدرجة الاولى بمرحلة التحرر الوطني أو بمرحلة الغزو أو العدوان الخارجي, لأن المرحلة اللاحقة لمرحلة التحرر الوطني, أي مرحلة بناء الاستقلال وإقامة الدولة المستقلة, يدخل فيها بناء الاقتصاد وبناء المجتمع وبناء الثقافة الوطنية. وهذه مسائل لا يتحقق الاجماع على طرق تحقيقها وبالتالي لا يمكن ادخالها في برنامج يتفوق عليه الجميع. وعليه تصبح هناك حكومة ويصبح هناك معارضة, وتظهر احزاب في السلطة وأخرى خارج السلطة, أي ان قضية الوحدة الوطنية بمفهوم وحدة القوى السياسية, واتفاقها على برنامج موحد ليست حتمية, وليست شرطا في مرحلة ما بعد التحرر الوطني, أو على الأقل ليست بدرجة الضرورة التي تتسم بها في مرحلة التحرر الوطني, والتي تجعلها امرا واجبا. واذا عدنا قليلا الى الوراء, نجد انه ومنذ بداية المرحلة المعاصرة لحركة التحرر الوطني الفلسطينية أواسط الستينات, وحتى اتفاق اوسلو ــ اذا جاز لنا ان نعتبر هذه الفترة الزمنية كلها مرحلة تحرر وطني ــ نجحت القوى الفلسطينية المتواجدة في الساحة الفلسطينية على مدى هذه المسافة الزمنية في خلق اطارها الوطني, ممثلا في منظمة التحرير الفلسطينية والأساس الوطني لذلك أو البرنامج الوطني لذلك ممثلا في الميثاق, وفي النظام الاساسي لــ (منظمة التحرير الفلسطينية) وفي البرامج والمقررات التي كانت تصدر عن المجالس الوطنية الفلسطينية, وفي البرامج المرحلية التي كانت تسن أو تشتق لكل مرحلة من مراحل النضال, وتقريبا, وضمن هذه المرحلة من مراحل التحرر الوطني, وخلال هذه المسافة الزمنية, استطاعت (منظمة التحرير الفلسطينية) ان تضم كل القوى التي كانت موجودة على الساحة تقريبا, باستثناء التيار الاسلامي. ان عدم دخول التيار الاسلامي في تلك الفترة في اطار (منظمة التحرير الفلسطينية) كان للأسباب التالية: أولا: لم يكن له فصيل مسلح ــ حيث كانت (منظمة التحرير الفلسطينية) ومنذ عام 68 عندما دخلت الفصائل الفلسطينية المسلحة, كفصائل لاطار المنظمة وتولت قيادتها في عام 69 ــ اصبحت هذه الفصائل, وكذلك مفهوم الوحدة الوطنية داخل هذا الاطار, يقوم على تبني الكفاح المسلح كأسلوب للتحرير, وتشكيل فصائل مسلحة لهذه الغاية. وحتى الحزب الشيوعي الفلسطيني, عندما انضم الى المنظمة سمح له بالدخول لأنه أنشأ فصيلا مسلحا سمي فصيل (الأنصار) وليس لأنه حزب. بمعنى ان المنظمة كانت للفصائل المسلحة, والقوى والشخصيات الوطنية, والمنظمات الجماهيرية التي تلتف حول شعار الكفاح المسلح. ثانيا: حركة الاخوان المسلمين وهي الحركة السياسية التي تمثل التيار الاسلامي, كانت تنظر لتحرير فلسطين في اطار اقامة المجتمع الاسلامي, ولم تكن تستن هذا الطريق, أو تؤمن بأنه يجب ان يكون هناك حركة وطنية فلسطينية خاصة, تسلك هذا المسلك أو ذاك, بل كانت تعالج المسألة الفلسطينية كجزء من الحالة الاسلامية, وجزء من اقامة المجتمع الاسلامي, هذه أيديولوجيتها وهذه استراتيجيتها, ولها كامل الحرية في اختيار الاستراتيجية التي تراها. لهذين السببين لم يدخل التيار الاسلامي جسم (منظمة التحرير الفلسطينية) ولاشك ان مسيرة الوحدة الوطنية الفلسطينية بالمفهوم الذي اشرنا اليه, وبالفصائل التي شكلت (منظمة التحرير الفلسطينية) قد تعرضت الى عثرات وصعوبات, فقد تم الخروج في احيان كثيرة على البرنامج المرحلي, وتم المساس بالميثاق او تجاوزه وحدثت اختلافات على بعض القضايا, وعلى نوعية العلاقات التي تقوم بين هذه الفصائل احيانا, وبين (منظمة التحرير الفلسطينية) وبعض الاطراف العربية, ووصلت هذه الخلافات في مراحل معينة الى حد مقاطعة بعض القوى للجنة التنفيذية في بعض الدورات, ولكن لم يخرج احد من اطار منظمة التحرير الفلسطينية, فقد ظل الجميع موجودا في الاطار, وظل هذا الموضوع قائما بتركيبته الى اتفاق اوسلو. وحتى قصة الانشقاق التي جرت في فتح في اعقاب الاجتياح الاسرائيلي عام ,82 وحصار الاخ ابوعمار في طرابلس عام ,83 كانت عوامله ودوافعه خارجية اكثر منها داخلية, ولذلك لم يستطع ان يستقطب قوى فلسطينية حقيقية الى جانبه, ففشل, وظلت منظمة التحرير قائمة, وقيادتها موحدة. وحتى الفصائل التي بقيت في دمشق لم تعلن خروجها من المنظمة, ولم تعلن المنظمة عن فصل هذه القوى من اطارها. وأنا هنا أشير الى فصائل مثل الصاعقة والجبهة الشعبية (القيادة العامة) وبقية هذه القوى, والتي بقيت ترفع شعار منظمة التحرير الفلسطينية, وظلت كأنها تقاطع الاجتماعات فقط, أي لم تفصل ولم تعلن انسحابها. عندما برز التيار الاسلامي في مرحلة الانتفاضة ومارس دوره في الداخل, ابتدأت محاولات ادخاله في اطار (منظمة التحرير الفلسطينية) وجرى اكثر من لقاء, سواء في تونس أو في اليمن او في السودان, لقد تكررت اللقاءات بين ممثلي (منظمة التحرير الفلسطينية) , وأحيانا كانت اللقاءات تتم برئاسة الاخ ابوعمار وبين ممثلي التيار الاسلامي, وفي كل هذه اللقاءات كان الحديث يتركز على دور وقوة ونسبة الحركة الاسلامية في اطار (منظمة التحرير الفلسطينية) , ولم يكن على برنامج المنظمة وتوجهاتها. ولم يكن هذا يعني انعدام وجود عدد من الشخصيات والرموز, التي تنتمي للتيار الاسلامي في اطار المنظمة كأعضاء في المجلس الوطني أو المجلس المركزي لمنظمة التحرير. ولكنهم كانوا موجودين بأشخاصهم, وليسوا ممثلين للحركة الاسلامية رسميا. ولكن هذه الاتصالات لم تكلل بالنجاح, فقد كان هناك اختلاف واسع حول النسب المطروحة. ومع توقيع اتفاق اوسلو, وما تلاه من توابع, وبعد قيام السلطة الوطنية, اختل اساس الوحدة الوطنية, فقد حدث أولا انقسام في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية, وجرت مقاطعات لمؤسسات المنظمة, مثل المجلس الوطني والمركزي من قبل بعض القوى, ثم تم الغاء الميثاق أو تعديله, وهذا ركن اساسي من الاركان التي تقوم عليها منظمة التحرير الفلسطينية, وبالتالي تقوم عليها الوحدة الوطنية المجسدة في المنظمة. لقد سقطت اركان اساسية من برنامج التحرر الوطني, الذي قامت عليه حركة التحرر الوطني الفلسطيني أي (منظمة التحرير الفلسطينية) . ومن هذه الأركان الأساسية, ركن الكفاح المسلح الفلسطيني, حيث اعتمدت المفاوضات اساسا وحيدا, وهذا امر لم يتفق عليه الجميع, بمعنى كان هناك من يوافق عليه وكان هناك من يعارضه. وتم التعاون الامني, كما نصت عليه الاتفاقات ــ وهذا سبب آخر يخل بموضوع الوحدة الوطنية ــ وجرى الاعتراف باسرائيل, وهو موضوع لم يكن مقرا, ثم تحولت المنظمة الى حالة مندمجة في السلطة, حيث لم تعد جسما مستقلا عن السلطة, بل صارت المنظمة والسلطة جسما واحدا. هذا وقد اختلت العلاقات مع الحركة الشعبية العربية على ما لهذه العلاقات من اهمية, باعتبار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للنضال العربي ــ وأقصد بين اطراف حركة التحرر الوطني الفلسطينية, وحركة التحرر القومي العربية ــ فقد اتخذ بعض اطراف الحركة العربية المواقف نفسها التي اتخذتها بعض اطراف حركة التحرر الوطني الفلسطينية في اعتراضها على الاتفاقات. وقياسا على ذلك اختلت العلاقات على المستوى الشعبي بين الاطر الفلسطينية والأطر العربية. ونتيجة لتفكك وانهيار البرنامج الذي قامت عليه حركة التحرر الوطني الفلسطينية (أي المنظمة) , كان من الطبيعي ان يتفكك وينهار الاطار الذي قام عليه اساس هذا البرنامج, وتأكد ذلك, بإقامة سلطة بديلة للمنظمة ببرنامج جديد ووسائل جديدة. لا أقول ان المنظمة ألغيت, ولكن عمليا, اصبح الاساس الذي يتحرك ويقرر وينفذ ويتابع, هو جهاز السلطة, ولم يعد جهاز المنظمة, والأهم برأبي, ان ما ساعد في اختلال الاسس التي قامت وتقوم عليها الوحدة الوطنية, هو ان سلوك السلطة الوطنية بالمؤسسات الحكومية التي أقامتها من وزارات ومؤسسات تشريعية, ايضا باتت تتصرف كدولة مستقلة, وكأنها أنجزت برنامج التحرر الوطني الكفاحي, وهي الآن في مرحلة بناء الدولة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا, وبالتالي لم تعد تهتم كثيرا بحشد كل القوى الوطنية التي كان يتوجب حشدها لانجاز التحرر الوطني أو في مرحلة التحرر الوطني. ووصول السلطة الى هذه القناعة من الطبيعي ان يقودها الى التصرف على غرار الدول المستقرة التي يكون لها حكومتها وبرنامجها, تقابله معارضة ببرنامجها ايضا, ولا يمكن ان يلتقي البرنامجان في اطار سياسي أو تنظيمي واحد.