في الممارسة السياسية لا يتحدث أحد عن السلبيات أو الأخطاء التي تعتبر ظاهرة عادية في الممارسة البشرية, وظاهرة أكثر من عادية في الممارسة السياسية المحكومة بتوازنات معقدة , بل الإيجابيات تكون عادة حديث كل سياسي عن التيار الذي يمثله, لكن هناك من الأحداث ما يبرز على السطح من وقت لآخر ليذكر هؤلاء السياسيين بأن طرقهم ليست مفروشة كلها بالورود كما يعتقدون أو يحاولون أن يصورها, وأن الأشواك تكون عادة من نصيب من يحاول أن يخفي الحقائق خلف ستائر من الدخان. لكن يبدو أن البعض لا يتعلم من التاريخ أو الأحداث التي تمر به, فيسقط في هوة الأخطاء التي ارتكبها مرة وأخرى, لا لشيء سوى انهم لا يرون إلا مصالحهم الخاصة والذاتية, أو أنهم يعتقدون أن الشعوب فقدت الذاكرة. تعيش المكسيك حاليا حالة من التفسخ في ظل حكم حزب انفرد بالسلطة طوال ما يزيد على سبعة عقود, فترة حكمه بدأها قبل سبعين عاما بسرقة الانتصار الثوري الذي قضى على الدكتاتورية الإقطاعية السابقة, على الرغم من أن تلك الفترة الثورية بدأت تحت شعار التعددية الحزبية, فقد تمكن الإقطاع من العودة إلى حكم البلاد من خلال عمليات تجميل سمحت له بالسيطرة على الحزب الثوري الدستوري, أي أن المهزوم في الحرب الأهلية تمكن من تحييد المنتصر عبر عمليات معقدة من الاغتيالات والرشوة راح ضحيتها الفلاح الثوري (اميليانو ثاباتا) قائد الثورة المكسيكية نفسه. عاد الإقطاع إلى الحكم من جديد في ظل شعارات الثورة والثورية التي أطاحت به خلال الحرب الأهلية, وتمكن من البقاء تلك الفترة الطويلة, لأنه على حد تعبير أحد كبار سياسيي هذا الحزب, أنهم تمكنوا من تحقيق انتعاش اقتصادي في البلاد ما كان يمكن للأحزاب الأخرى المنافسة أن تحققه, لكن هذا السياسي لم يفكر لحظة واحدة أن الانتعاش الاقتصادي خلال فترات حكم حزبه كانت قاصرة على الطبقة الإقطاعية التي تمتلك كل شيء فيما تعيش الطبقات الأخرى رهينة البحث عن الخبز اليومي. وأن تلك الفترة من الرفاهية للطبقة الحاكمة في المكسيك كان ثمنها اغتيالات سياسية للمعارضين, بل واغتيالات سياسية لزعماء من الحزب الحاكم نفسه, وتكريس الثروة في أيدي قليلة لا تصل إلى حجم الطبقة التي يمكن أن تحكم كأغلبية. لكن يبدو أن الحزب الحاكم في المكسيك لا يزا ل يصدق أنه سبب الانتعاش الاقتصادي, وينسى أنه كان أيضا صاحب أكبر عملية انهيار اقتصادي حدثت في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين, عندما انهارت عملته الوطنية وفقدت نصف قيمتها خلال أسبوع واحد, ولإنقاذ تلك العملة لجأت سلطات الحزب الثوري الحاكم وقتها إلى البنوك والشركات الأمريكية لإنقاذه مقابل التخلي عن رصيده من البترول, الذي يعتبر المصدر الأساسي لثروة البلاد الوطنية, وأنه رهن ثروة البلاد الطبيعية لينجو بنفسه. إذا كانت (الحركة الثورية الثاباتية) الضوء الساطع الذي كشف انهيار الأخلاقيات السياسية المكسيكية قبل خمس سنوات, عندما انفجرت تلك الحركة الثورية في لحظة انهيار سور برلين وتوقع توطيد الأمر للهيمنة الكاملة للولايات المتحدة في كل دول أمريكا اللاتينية بما فيها المكسيك, وظهور تلك الحركة أكد وقتها ولا يزال يؤكد مدى حاجة المكسيك إلى تغييرات جذرية في نظام حكمها الديمقراطي الاسم الدكتاتوري الممارسة, وهو الأمر الذي تجاهله الحزب الحاكم حتى الآن. الدور اليوم يقع على عاتق طلاب الجامعات المكسيكية هذا العام للكشف عن مزيد من زيف الحقائق التي يحاول الحزب الحاكم أن يستغلها للبقاء لفترة أطول, ويكون بذلك أكثر الأحزاب التي حكمت لفترات متوالية في أي نظام ديمقراطي. تعيش الجامعة المكسيكية حاليا إضرابا طويلا, يعتبر نتيجة مباشرة لحالة التفسخ السياسي, أو تلك الحالة كانت السبب في هذا الإضراب الذي بدأ في العشرين من شهر إبريل الماضي, وليس له مثيل سوى في الإضراب الشهير الذي وقع في ربيع 1968 عندما اضرب الطلاب هناك استجابة للثورة الطلابية العالمية, التي بدأت في باريس ولم تنته إلا تحت وابل من الرصاص راح ضحيته عدة مئات في الجامعة المكسيكية. هذا الإضراب الجديد يكشف مدى زيف الأرقام الاقتصادية التي يحاول الحزب الحاكم أن يثبت بها انه تخطى أزمة انهيار العملة المكسيكية التي وقعت قبل خمس سنوات, فالإضراب منذ البداية أسبابه ليست اقتصادية بحتة, بل سياسية تؤكد الحاجة إلى تغييرات عاجلة في نظام الحكم ليكون أكثر ديمقراطية, أو على الأقل يطبق الشعارات التي يرفعها ويجد مؤيدين لها في العالم الغربي. وان كان من الناحية الاقتصادية يثبت بوضوح أن البلاد أفلست تماما في ظل الحكم الحالي, لأن رئيس الجامعة الذي ينتمي إلى الحزب الحاكم, ويطمح في الحصول على كرسي إحدى الوزارات في الحكومة القادمة, قرر بشكل منفرد ودون تحليل للأوضاع الاقتصادية للطلاب رفع مصروفات الجا معة من ثلاث سنتات (0.30 من الدولار) إلى 120 دولاراً في قفزة واحدة, الزيادة التي قررها رئيس الجامعة في المكسيك تعتبر حصيلتها تافهة بالنسبة للميزانية العامة للجامعة, لأنها لا تصل إلى 2.5 في المائة من ميزانية الجامعة, لكن دلالتها اكبر من أن يحاول أي سياسي من الحزب الحاكم أن يخفيها عن أعين الطلاب, الذي تنبهوا إلى أن الأمر ليس زيادة المصروفات التعليمية للجامعة بقدر ما هو توجه (سياسي) نحو (تخصيص) التعليم الجامعي, أي أن هذه الزيادة خطوة على طريق حرمان الطبقات غير القادرة من التعليم, وقصره على الطبقة الثرية من المجتمع التي تمثل 10 في المائة فقط من المجتمع المكسيكي لكنها تمتلك ما يزيد على نصف ثروة البلاد. تراجع رئيس الجامعة عن قراره التعسفي الذي يدل على العقلية الدكتاتورية التي تقف من ورائه, لكن القرار على الرغم من إلغائه كانت له نتائجه الخطيرة, وبدأ الحزب الحاكم يلقي باللوم على الأحزاب الأخرى, بل استخدم طرقه القديمة في مواجهة أي مشكلة تواجه البلاد, وبدلا من مواجهة الواقع والبحث عن حلول يعرف أنها تتطلب تضحيات كبيرة على الحزب الحاكم أن يقدمها من أجل إعادة الأوضاع إلى مسارها الصحيح, بحث عن أكثر الطرق سهولة لنفي مسؤوليته عن الأوضاع المتردية واتهم الحركة (الثورية الثاباتية) أنها وراء هذا الإضراب الطلابي. الوضع في الجامعة المكسيكية حرج, خاصة أن هناك أصواتاً في الحزب الحاكم تنادي بتدخل قوات الجيش والبوليس لفض الإضراب بغض النظر عن النتائج, نتائج يمكن أن تعيد إلى الأذهان ضحايا الجامعة المكسيكية عام, 1968 حيث لا يتوقع أحد أن ينهي الطلاب الإضراب, لأن الطلاب فهموا جيدا دورهم, وقرروا أن يلعبوه, قرروا أن يكون إضرابهم هذا عودة إلى (ربيع 68) , وعلى الحزب الحاكم أن يختار. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا.