ازدادت في السنوات الاخيرة ظاهرة انكشاف قضايا الفساد في العالم أجمع, سواء في العالم الأول او في العالم الثالث , وبحكم الشمولية المتزايدة للفساد, اصبح هناك من يدافع عنه او عن بعضه في احسن الحالات, بصفته فساداً يساهم في دفع الاستثمار والانتاج الى الأمام, متجاوزاً العقبات البيروقراطية التي تقف في طريق تقدمه, وقد أطلق البعض على هذا الفساد اسم (الفساد الايجابي) او (الفساد المنتج) . يتسرب الفساد من مواقع البيروقراطية, التي تعتبر احدى السمات الاساسية للمجتمعات الحديثة, وضرورية من اجل عقلنتها, ففي اطار الوظيفة البيروقراطية يصبح الفرد شاغلاً للوظيفة وليس مالكاً لها, ويفترض بالوظيفة العامة البيروقراطية ان تحدد مراكز العاملين فيها وتخضعهم لراتبية صارمة, ورغم صرامة التنظيم البيروقراطي ومراتبيته, فإنه يحافظ على هامش من (الحرية) في القيام بالعمل المسند الى الفرد, حيث يقوم الفاعلون باختيار سلوكهم من هذا الهامش, فالقواعد والمعايير لا تحدد كلياً هذه الخيارات, وحتى التنظيم الاكثر بيروقراطية لا يقضي كلياً على هامش (الحرية) ومن هذا الهامش يتسرب الفساد الى التنظيم الذي يعتبر ضرورة لعقلنة المجتمع. يجمع الباحثون على ان الفساد هو اساءة استخدام الوظيفة العامة من جانب شاغلها لتحقيق مكاسب خاصة, ولا يشترط السلوك الفاسد مخالفة القانون, بل يمكن ان يقوم على اساس تقديم الخدمة التي تحيلها عليه وظيفته, لكنه يحصل على مقابل مادي او معنوي ممن تقدم له هذه الخدمة. في الدول العربية, يأخذ الفساد اشكالاً متعددة ومتنوعة, تصيب كل المستويات, من أدنى الهرم البيروقراطي, الى المسؤولين الكبار, وتتفاوت بين الرشاوى الصغيرة التي يأخذها الموظف في المراتب الدنيا, وصولاً الى العمولات على الصفقات الكبيرة والعقود الاستشارية الكبيرة والتوكيلات التي يحصل عليها كبار المسؤولين او اولادهم او أصهارهم, لتسهيل مهمة الشركات الاجنبية وتجاوز العقبات البيروقراطية, وتتسبب طبيعة الانظمة السياسية في تعميم ظاهرة الفساد, حيث يحل الفرد مكان المؤسسات السياسية, ويتم اضعاف واستبعاد هذه المؤسسات, حيث يتم استغلال المنصب والنفوذ السياسي لاجل الحصول على مكاسب شخصية, وينتج عن هذا الاستبعاد, استبعاد المشاركة السياسية للمواطنين, مما يحرر الفاسدين من الرقابة والمحاسبة التي توفرها المشاركة السياسية. فكلما انخفضت المراقبة من خلال المشاركة السياسية, يجد الفساد حقولاً جديدة لاختراقها, مما يجعله قابلاً للتعميم في كل المستويات, وتعطي طبيعة الانظمة السياسية العربية الحماية اللازمة التي تسهل عملية انتشار الفساد داخل النظام السياسي, فالمتورطون في الفساد يشعرون بدرجة عالية من الأمان بسبب غياب المراقبة والمحاسبة. فعندما يكون الفاسد امتداداً للنظام يقوم النظام بحمايته لانه يشكل جزءاً منه, وكلما زاد الشعور بالأمان وعدم القدرة على كشف الاعمال الفاسدة, يزداد الفساد انتشاراً ويتضامن الموقف اللامبالي للمواطن مع الحماية السياسية للفاسدين, بحيث يتحول الفساد ذاته الى واقع طبيعي لا يجد القطاعات الشعبية المعادية له. لا يقتصر الفساد على المراتب العليا, بل يمتد عمودياً ليشمل الجهاز البيروقراطي في مراتبه الوسطى والدنيا, وهذه الظاهرة واسعة الانتشار في البلدان المنخفضة الدخل, حيث لا تغطي الدخول الحاجات الرئيسية للموظف, وهذا ما اطلق عليه البعض تعبير (رواتب الفساد) حيث تدفع الظروف الصعبة الموظف لقبول الرشاوى حتى يغطي الحاجات الضرورية لاسرته, واصبح هذا النوع من الفساد طبيعياً وجزءاً من اعادة توزيع الدخل مرة اخرى, ولم يعد سلوكاً مداناً. فرغم ان الجهاز البيروقراطي يضع الضوابط لاداء العمل او الخدمة العامة وتحديد المستحقين لها الا ان هناك اساليب متنوعة يستطيع الموظف من خلالها الدخول لتحويل هذه الخدمة العامة لمصلحته الشخصية, مخترقاً القواعد التنظيمية, والضوابط الموضوعية التي تنظم العملية كلها, وبتضامن العناصر الفاسدة في مؤسسة يخترقها الفساد, يسير كل شيء بشكل طبيعي وفق رغبة الفاسدين, ويتم ايجاد لوائح وانظمة بديلة عن تلك التي ينص عليها القانون ويصبح هناك قانون مواز غير مكتوب لكنه فعال, والقانون الموازي يخلق سوقاً موازية لبيع الخدمات بأسعار مختلفة, يحصل الفاسدون على فروق أسعارها. تجد ظاهرة الفساد والوسائل والأشكال الملائمة لتعميم نفسها, وبانتشارها المعمم يتم تحويلها الى مؤسسة, تملك مشروعيتها الى حد كبير, ويتحول الفساد بكل أشكاله الى قيمة مقبولة من الجميع, مما يخلق ازدواجية في النظام القانوني, النظام القانوني المتروك جانباً, والنظام القانوني الموازي المترتب على الفساد, والذي يلعب الدور الرئيسي في تنظيم العلاقات بين المواطنين. يتسبب الفساد المعمم في عملية توقف المجتمع عن العمل القانوني, حيث يمكن النظر الى مؤسسات الدولة وكأنها نسق بيروقراطي كبير متضمن كل سمات الفساد التي يجب تجنبها, وهنا يكمن الفارق الحاسم بين الفساد في الدول العربية والعالم الثالث عموماً, وبين الفساد في الدول المتقدمة, حيث يأخذ الفساد في الدولة المتقدمة الطابع الفردي, او المجموعات الفردية, التي يمكن ضبطها ومحاسبتها, بينما يأخذ الفساد المؤسسي الطابع الأكثر خطورة بحكم شموله وتضامنه, مما يجعل امكانية محاربته امكانية متواضعة, بحكم افتقاد هذه الدولة للمؤسسات القادرة على القيام بحملة واسعة على الفساد, لعدم وجود المؤسسات الخالية منه, حتى المؤسسة القضائية التي ضربها الفساد في عدد كبير من الدول العربية. واذا كان الاستنتاج الطبيعي للتحليل السابق, يجعل امكانية القضاء على الفساد مستحيلاً, خاصة وأنه ليس هناك دولة في العالم لا يوجد فيها نسبة من الفساد مهما كانت ضئيلة ولكن هناك امكانية لمحاصرة الفساد والدفع باتجاه تراجعه الى حدوده الدنيا, وهذا ما يحتاج الى العمل على مستويين, مستوى المراتب الدنيا والمتوسطة وذلك بتحسين الأجور والرواتب, ولكن على مستوى القمة لا يمكن محاصرة الفساد بدون المحاسبة والمراقبة التي تولدها المشاركة السياسية, وبالتالي فهي تحتاج الى توسيع العملية الديمقراطية. كاتبة فلسطينية