ربما تكون العمليات الاجرامية التي قام بها الطيران الاسرائيلي قبل ايام ضد لبنان وطالت منشآت تحتية وبنى خدماتية, هي آخر العمليات من هذا القبيل . هذا اذا صح ان الدافع وراءها كان محاولة انتقام قام بها رئيس الوزراء المنسحب بنيامين نتانياهو ضد لبنان, وفي ثناياها احراج لخلفه رئيس الحكومة الجديد ايهود باراك, عطفا على وعد هذا الاخير بالانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة واحياء المفاوضات مع سوريا. بيد ان الاهداف التي قصفت (وهي اهداف لا علاقة لها بالمقاومة) تكشف هوية الرسالة التي وجهتها الطائرات الاسرائيلية. فهي رسالة الى لبنان, الحكومة والنظام, ما يستتبع تاليا الاستنتاج بأن لها علاقة بالفترة المقبلة, اي فترة المفاوضات مع سوريا ومسألة الانسحاب من الجنوب, اكثر مما لها علاقة بالرد على عمليات المقاومة التي قصفت بصواريخ الكاتيوشا قبل ذلك (البلدات) الشمالية في اسرائيل. ولن يغدو صعبا تفسير هذه العلاقة بالنظر الى الاشتراطات التي اوردها باراك نفسه في الفترة الماضية, واكد خلالها ضرورة ان يسود الهدوء مناطق الجنوب المحتل فور مباشرة المفاوضات مع سوريا حول الجولان. ما يعني ان باراك يريد في هذه الحالة ان يحرم لبنان وسوريا من أية اوراق ضغط يملكانها خلال المفاوضات. وبذلك تكون الرسالة الاسرائيلية معنية بتوضيح مسألة الارتباط بين وقف المقاومة لعملياتها وبين الوصول الى اتفاق حول الانسحاب من الجنوب. وهو الارتباط الذي سيغدو مطروحا بصورة محورية في الفترة التي سيشرع فيها الجانبان السوري والاسرائيلي بوضع الترتيبات اللازمة للاتفاق على الانسحاب من الجولان ومن الشريط المحتل. الدوافع الاسرائيلية من وراء ذلك اكثر من شكلية. فالحكومة الجديدة التي يشرع باراك في تشكيلها حاليا, تريد الدخول في المفاوضات مع سوريا بأكبر قدر ممكن من الهدوء على الحدود الشمالية. على الاقل كي يتم احكام الصلة بين الاثنين ــ المفاوضات والهدوء. وتاليا تبرير الكلام الذي يقوله الان باراك نفسه من ان السلام الحقيقي هو مع سوريا, ولا يمكن حل الاشكال الامني مع لبنان بدون الاتفاق مع دمشق. هنا يراد اذن اعطاء الرأي العام الاسرائيلي جزءاً من ثمن الانسحاب من الجولان مقدما, واختباره منذ الان, على شكل هدنة مفروضة في جنوب لبنان. بهذا ستستطيع حكومة باراك ان تتباهى بانها تمكنت من جلب بعض الامان للاسرائيليين, وان يكن امانا مؤقتا. وفي الوقت نفسه نجحت في انتزاع موافقة ضمنية على وقف المقاومة قبل جلاء الاحتلال, وهو ما لم تتمكن اية حكومة اسرائيلية سابقة من الحصول عليه. غير ان السؤال بالطبع سيظل هو: هل ستنجح اسرائيل بعملياتها الاستعراضية هذه ان تجبر اللبنانيين والسوريين على النزول عند مطالبها وشروطها؟ وهل ستقنعهم بالذهاب الى المفاوضات تحت وطأة التهديد بتدمير المنشآت الحيوية وقتل المواطنين الابرياء والعزل؟ من حيث المبدأ ليس ثمة امر خطير في ان يكون هناك تفاهم على تهدئة الوضع العسكري في الجنوب, في حال اتضح ان اسرائيل جادة في تحقيق تسوية عادلة تشمل انسحابا من الاراضي المحتلة. فاستمرار المقاومة كما اعلنت بيروت دائما هو رهن ببقاء الاحتلال الاسرائيلي في الاراضي اللبنانية. بيد ان الشكوك حول النوايا الاسرائيلية تظل قائمة, ليس فحسب في ضوء احتمالات تعثر المسيرة السلمية, وانما ايضا في ضوء الغموض الذي يلف صيغة التحالف الحزبي المتوقع ان يحكم اسرائيل في السنوات الاربع المقبلة. وهنا لا يمكن استبعاد خيار ان تكون اسرائيل ترمي من وراء هجماتها الاخيرة على لبنان, الى الاستمرار في سياسة ارهاب هذا البلد ودفعه الى التخلي عن حقه في مقاومة الاحتلال. رغم ان هذه السياسة سبق ان رفضتها الحكومة اللبنانية, وثبت انها سياسة فاشلة. ان الامر الصحيح والمؤكد في كل ما يجري هو ان ثمة شعوراً اسرائيلياً عميقاً بالتورط في لبنان, وثمة رغبة اسرائيلية معلنة بالانسحاب من هذا البلد. غير ان الكيفية التي سيتم بها هذا الانسحاب تظل غير واضحة المعالم. وهناك محاولات اسرائيلية دؤوبة ومستمرة لاستكشاف انسب الطرق واقلها كلفة لتحقيق ذلك. لقد جربت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة فصل المسارين اللبناني والسوري, عبر اغراء بيروت بتحقيق اتفاق سلام منفصل يتضمن ترتيبات امنية تعقب انسحابا اسرائيليا من الشريط المحتل. وجرى دعم هذه المحاولة بعمليات ترهيب وابتزاز وهجمات بالطيران استهدفت البنى التحتية في قرى ومدن لبنان. لكن اسرائيل فشلت في الوصول الى مبتغاها, وبدلا من ذلك استمرت عمليات المقاومة الموجعة لجنود الاحتلال وعملائهم في المنطقة التي يحتلها الجيش الاسرائيلي, فضلا عن صواريخ الكاتيوشا التي تصيب السكان الاسرائيليين بالرعب. ومن الواضح ان اسرائيل اقتنعت بعد كل هذه السنوات المريرة بعدم امكانية فصل المسارين اللبناني والسوري, وبضرورة تحقيق الامن والسلام على الحدود اللبنانية عبر التفاهم مع دمشق. وليس الاعلان بهذه الصراحة عن الرغبة في استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية, سوى توطئة للاقرار اخيرا بعدم جدوى المماطلة واهدار المزيد من الوقت. لكن كالمعتاد لا يتوقع احد من اسرائيل, حتى وهي تزمع الاستعداد للتفاوض ان ترمي سلتها كلها على الطاولة. من هنا جاء الهجوم الجوي على لبنان, لتذكير اللبنانيين كلما اقتضى الامر بوجوب المحافظة على قواعد اللعبة السياسية, سواء في زمن الحرب او السلم. وهو هجوم قد لا يكون الاخير, طالما ان قدر لبنان هو ان يظل يلعب دور البارومتر لقياس مدى نضج الظروف الاقليمية لانجاز تسوية سلمية تعيد له ولشقيقته الكبرى سوريا اراضيهما المحتلة في الجنوب وهضبة الجولان.