تناولت اغلب الكتب والدراسات الصادرة حديثا بالتحليل والشرح ما شهده العالم من تحولات وما طرأ على النظام العالمي من تغيرات, ولا نرى فائدة في مزيد الحديث عنها لكننا لابد ان نلاحظ في هذا الهزيع الاخير من القرن ان الهزات العنيفة المتتالية على صعيد السياسة والاقتصاد صاحبتها وواكبتها مطالبات متزايدة بالحق في الهوية الدينية والقومية والعرقية ما نتج عنه كما وقع في ازمة كوسوفو صراع دولي مسلح كاد يؤدي الى صدام موسع غير مأمون العواقب لولا اختلال في موازين القوى, كما نتج عنه تناقض واضح وخطير بين اتجاهين متعاكسين ومتلازمين هما: 1ــ اتجاه شعوب العالم الى التكتل في مجموعات اقليمية سياسية واقتصادية بسبب متطلبات الاسواق العالمية وحدة الازمات الاجتماعية (المجموعة الامريكية ــ الكندية ــ السوق الاوروبية ـ ـمجلس التعاون ــ كتلة جنوب شرق آسيا.. الخ). 2ــ اتجاه نفس الشعوب الى اعلان مميزاتها وخصوصياتها واستقلالها الثقافي والدفاع عن هويتها (الحركات ذات المنطلقات الدينية والحركات الاستقلالية والاحزاب المدافعة عن اللغات المحلية واحزاب حماية البيئة المسماة بالاحزاب الخضراء). ونعتقد ان هذا التناقض بين الاتجاهين الكبيرين هو الذي احدث بسبب الدفع والجذب خللا في العلاقات الدولية وثورة جذرية في القانون الدولي ومصطلحاته وادى تبعا لذلك الى تغير كامل في مفهوم الفكر الاستراتيجي. ويكفي للاستدلال على عمق تلك التحولات ان نذكر ما طرأ على مصطلح (سيادة الدولة) من تغير كامل, فالسيادة (SOVEREIGNTY) ورد تعريفها في ديباجة ميثاق منظمة الامم المتحدة كممارسة الدولة المطلقة لحقوقها في حكم الشعب والدفاع عن حدودها وتفيذ قوانينها ثم اصبح مصطلح السيادة مقيدا بمبدأ اشمل من مبادىء العلاقات الدولية وهو الامن العالمي او السلم العالمية, واصبح من الممكن مثلما رأينا في الصومال وهايتي ورواندا, ان تنزل جيوش اجنبية في ارض اية دولة لتحور نظامها وتسن لها دساتير وقوانين بل ووصل الامر في جزيرة غراندا الى الاحتلال, وفي باناما الى اختطاف رئيس الدولة ومحاكمته, وتلاشي مفهوم سيادة الدولة في مصطلح اكبر يسمى النظام العالمي الجديد منذ حرب الخليج الثانية. وضاع كذلك حق تقرير المصير المعترف به قديما في مبدأ حقوق الاقوى مثلما وقع في جمهورية البوسنة والهرسك والشيشان وكوسوفو وبدا واضحا ان العالم يسعى الى اعادة قراءة القانون الدولي ومواثيق العلاقات الدولية على ضوء انهيار الثنائية القطبية وظهور احادية القوة وارتقاء الصراعات الحضارية والايديولوجيات مثلما نظر لذلك المفكر الامريكي صامويل هانتينجتن (SAMUEL HANTINGTON) في دراسته (صدام الحضارات) المنشورة بمجلة الشؤون الخارجية الامريكية في يونيو 1993. وفي الحقيقة لقد سبق للمؤرخ البريطاني السير ارنولد توينبي ARNOLD TOYNBEE ان وضع هذه النظرية وذلك بتقسيم العالم المعاصر لا الى خرائط جغرافية وانما الى مناطق حضارية ولعله من الامانة كذلك ان نذكر اسبقية العلامة عبدالرحمن بن خلدون في تعداد المؤثرات الحضارية والدينية المحددة للصراعات الدولية وذلك منذ سبعة قرون باعتماد منهج تاريخي علمي فريد لايزال الى يوم الناس هذا مثلا يحتذى في دقة التحليل وامانة الاستنتاج. يقول الاستاذ محمد الخولي المفكر المصري في اخر كتاب صدر له عن دار الهلال بعنوان القرن الواحد والعشرون: الوعد والوعيد) مايلي: (نحن لا نملك الماضي لاننا لم نشارك في صنعه ولا نكاد نسيطر على الحاضر لاننا جزء من دورات حركته والزمن الذي يمكن ان نشارك في صياغته وتقويمه هو المستقبل وهذا خيارنا الوحيد..). وهذا الرأي يضعنا امام اختيار موضوعي وحيد وهو اختيار المستقبل بصفته الزمن الذي بقي لنا امكان تحديده او صنعه او على الاقل الاسهام في تشكيل خارطته, ومن هنا جاء الفكر الاستراتيجي علما متكاملا ينطلق بالطبع من الماضي ويستند الى الحاضر لكنه يظل علم استشعار المستقبل. هذه من ملامح الخارطة الاستراتيجية للعالم اليوم, وقد القت عليها البحوث والدراسات الانسانية الحديثة اضواء كاشفة ومن زوايا مختلفة سوف تساعد على تحديد موقفنا منها وتلمس سبيلنا نحوخدمة شعوبنا العربية برؤية واضحة وجهود مشتركة. ونعتقد صادقين ان الذكرى الخمسين لتأسيس جامعة الدول العربية كانت فرصة ذهبية لتقييم الفكر الاستراتيجي العربي وربما اعادة صياغته على ضوء المستجدات التي تعرضت لها انفا وبخاصة تفعيل رسالة الجامعات في الوطن العربي حتى تتحمل امانة تحصين شعوبنا في مهب هذه العواصف الدولية العاتية. واذا اتفقنا على التحوات المذهلة والمتلاحقة التي شكلت خارطة العالم على اسس جديدة فلابد ان نكون متفقين على اجراء تعديلات ضرورية على طبيعة التعليم الجامعي والبحث العلمي في العالم العربي ايمانا منا بان المؤسسة الجامعية الى جانب مهامها التقليدية في نقل العلم وتعميق المعرفة هي مرصد استشعار المستقبل والتمهيد له واعداد الاجيال التي ستتحمل مسؤوليات نهضة اوطانها وتنميتها والدفاع عن استقلالها وحماية مصالحها. وقد شهد العقد الاخير نشأة العديد من معاهد ومراكز الدراسات الاستراتيجية في جامعات الوطن العربي اسوة بما هو متواجد في الولايات المتحدة الامريكية وبلدان اوروبا الغربية واليابان وهي مؤسسات متميزة بفضل خبرة العالمين فيها وكفاىتهم, واصبح بعضها مراصد جدية وعلمية لحركات التاريخ المعاصر, كما ان منشوراتها من كتب ومجلات وحوليات اصبحت مراجع اساسية للمراكز والمعاهد النظيرة في اغلب بلدان العالم. الا انني اعتقد بأن خدمة الاهداف القومية المشتركة يجب ان لاتقتصر على مثل هذه المؤسسات رغم اهميتها لان التخطيط الاستراتيجي طويل النفس بعيد المدى لايمكن ان يتحقق الا بتعبئة التعليم الجامعي بأكمله من اجل بلوغ غاياتنا بحيث تصبح الجامعات في وطننا العربي بمختلف كلياتها العلمية والانسانية والتقنية والتكنولوجية هي مراكزنا الاستراتيجية الكبرى استشعارا للمستقبل المقبل وتمهيدا للمصير الافضل.