هل اسرائيل صديق أم عدو بالحسابات العربية؟ هذا السؤال معلق بلا اجابة محددة منذ عام 1993 عندما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق صلح وسلام مع الدولة اليهودية في العاصمة النرويجية (أوسلو) عقب مفاوضات سرية جرى ترتيبها بواسطة الشخصيات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة. منذ ذلك الحين, وخاصة بعد ان وقع الاردن اتفاقا مماثلا مع اسرائيل, بدا وكأن صفحة انطوت وفتحت اخرى.. كأن السلام الكامل الشامل انبسط بطول الشرق الأوسط وعرضه بحيث تحولت اسرائيل الى دولة صديقة للأمة العربية. ومع مرور بضع سنين تبخر السلام الوهمي ودخلنا مرحلة (تعثر عملية السلام) , غير ان اسرائيل لم تعد الى مكانتها الاصلية كعدو من المنظور العربي حتى هذه اللحظة, فنحن الآن نعيش مساحة رمادية بحيث ان اسرائيل لا تصنف عربيا كعدو ولا تصنف كصديق. هذه الحالة تبرز بشكل أوضح عندما ننظر في نمط العلاقات القائمة على الصعيد الرسمي بين اسرائيل والاطراف العربية الثلاثة التي دخلت معها في اتفاقات تصالح: مصر والاردن والسلطة الفلسطينية. والسؤال الذي يجب ان يطرح الآن هو: كيف تتعامل هذه الأطراف العربية مع اسرائيل بعد وصول حكومة اسرائيلية جديدة يقال انها معتدلة؟ وللسؤال مناسبة, فالحديث متداول هذه الأيام بين عواصم عربية بغرض عقد قمة خماسية تجمع هذه الأطراف الثلاثة مع سوريا ولبنان للاتفاق على (استراتيجية موحدة) في مواجهة معركة التفاوض المقبلة مع الطرف الاسرائيلي. والسؤال الذي طرحناه يمكن ان يطرح بصيغة أكثر تحديدا: كيف يتسنى للأطراف العربية ان ترسم استراتيجية موحدة تجاه الطرف المقابل دون ان تحدد أولا هوية ذلك الطرف من وجهة نظرها؟ ان المطلوب أولا وقبل أي شيء آخر ان تتفق الاطراف العربية على انه في غياب السلام الكامل والعادل والمشرف مع استمرار بقاء الاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني على أرض عربية, فإن تصنيف الدولة اليهودية كعدو أو على الأقل كخصم يجب ان يبقى ساري المفعول لحين اشعار آخر. ربما تكون المعاهدات رمزا لتوقف الحرب من المنظور العربي.. لكن كيف يمكن ان تكون كذلك في المنظور العربي بينما تظل اسرائيل منذ قيامها قبل نصف قرن وحتى اليوم بلا حدود دولية رسمية. ان امتناع الدولة اليهودية عمدا عن الزام نفسها بحدود جغرافية دولية معلومة لا يمكن الا ان يعني ان حدودها مفتوحة على المستقبل (من النيل الى الفرات) . تصنيف اسرائيل اذن كخطر ماثل على حاضر ومستقبل الأمة العربية يجب ان يكون نقطة الانطلاق الطبيعية لرسم أية استراتيجية عربية. واذا اعتمد هذا الخط الاستراتيجي المبدئي لدى الحكومات العربية الخمس الممثلة لدول الطوق اذا ما اجتمعت لمواجهة التحدي التفاوضي المقبل فإن السؤال التالي الذي ينبثق تلقائيا هو: هل لدى هذه الاطراف العربية أوراقا للضغط التفاوضي؟ من أول وهلة قد يبدو ان الاجابة على هذا السؤال هي بالنفي. ان أقوى ورقة تفاوضية في أي زمان أو مكان هي ورقة القتال أو التلويح به. لكن مع توقيع الاتفاقيات مع اسرائيل واسقاط بنود الكفاح المسلح في الميثاق الوطني الفلسطيني يصبح استخدام هذه الورقة غير وارد. لكن هناك أوراقا اخرى متاحة لكل الأطراف الخمسة.. بوسع مصر والأردن وقف عمليات التطبيع الواقعة, خاصة التطبيع الاقتصادي والتجاري, وحتى قطع العلاقات الدبلوماسية. وبوسع سوريا ولبنان تصعيد المقاومة الوطنية المسلحة في الجنوب اللبناني. أما السلطة الوطنية الفلسطينية فإنه متاح لها على الدوام ان تعيد ارتداء حلة (منظمة التحرير الفلسطينية) بعد ان سقطت (أوسلو) قانونيا وسياسيا وأخلاقيا بما يجعل العودة الى الكفاح المسلح أمرا مشروعا بأي معيار دولي.