يتذكر العرب من فرنسا وجهها الاستعماري الذي اطل علينا في الحلقات المتواصلة للتاريخ الحديث وبخاصة منذ حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام اواخر القرن السابع عشر , مرورا باستعمار فرنسا لبلدان المغرب العربي والذي بدأ في العام 1830, واستمر بعدها مائة وثلاثين عاما متصلة, وصولا الى الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الاولى وهو انتداب استمر اكثر من ربع قرن من السنوات. ويتذكر العرب ايضا وجها آخرا لفرنسا والتي تراوح في سياستها العربية ما بين حدين, حد اتخاذ سياسات متوازنة في علاقاتها مع العرب وقضاياها وحد الخضوع والمسايرة لاعداء العرب والوقوف علانية ضد القضايا العربية, ولعل في مثالين من سياسة فرنسا العربية ما يؤكد هذين الاتجاهين في وجه فرنسا المعاصر, وأول المثالين مشاركتها كلا من بريطانيا واسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وثاني المثالين هو موقف فرنسا الديجولية من العدوان الاسرائيلي على البلدان العربية عام 1967 والذي كان بمثابة بداية لتحولات تتابعت في السياسة الفرنسية نحو موقف افضل من العرب وقضاياهم. غير ان العرب يتذكرون بشفافية وود وجها ثالثا مهما من وجوه فرنسا يتمثل في مواقف كثير من رجال الفكر والثقافة والاكاديميين ورجال السياسة والاعلام الذين فهموا وتفهموا العرب شعبا, وتعرفوا الى قضاياهم واتخذوا حيالها مواقف تنسجم مع الموضوعية والحق والضمير دون الخضوع للضغوطات والتهديدات وحملات الابتزاز التي مورست ضدهم من جانب دوائر فرنسية رسمية احيانا ومن جانب المؤسسات والهيئات الصهيونية في فرنسا اغلب الاحيان. وتتضمن القائمة التي تعكس وجه فرنسا هذا الكثير من الاسماء المهمة والتي بينها اسم المفكر والفيلسوف روجيه جارودي, والعالم المستشرق مكسيم ردونسون ومثله جاك بيرك ويمكن استذكار اريك رولو الصحفي والدبلوماسي, واسماء كثيرة من الكتاب بينهم ميشيل ميستر وجان كلود ساج, وهنري بيزيرا, وجورج هنري, ومارسيل ديبيلي وغيرهم كثير. غير ان ثمة اسمين من الاسماء يتذكرهما العرب بصورة خاصة هذه الايام, الاسم الاول هو المحامي الفرنسي جاك فيرجيس الذي يرتبط اسمه خصوصا بموضوع الجزائر التي مازالت تحاول الخروج من نفقها المظلم, والاسم الثاني هو المفكر الفرنسي بيير غيوم احد الذين اصابتهم اثار الهجمة الصهيونية الفاشية على المفكر الفرنسي روجيه جارودي العام الماضي بسبب كتابه (الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) . ويستحق الرجلان وقفة عندهما لتقديمهما الى القراء العرب ممن لم يتابعوا قضية الجزائر ونضالها, وكثير من تفاصيلها صار في ذاكرة الكتب, وقضية جارودي التي مازالت بعض امتداداتها تتوالى. وعودة الى الفرنسي جاك فيرجيس, يمكن القول انه بين اكثر محامي فرنسا شهرة, وسبب شهرته ليس نجاحاته المتالية فقط, بل مواقفه التي كثيرا ما اظهرت وجها مختلفا لفرنسا الرسمية مما جعله في كثير من الاحيان يقف في الخندق. والحق فإن في التاريخ المبكر للرجل ما يبرز وطنيته ودفاعه عن وطنه وهو الذي حارب في صفوف قوات فرنسا الحرة تحت قيادة شارل ديجول ضد العنصرية والنازية, وانخرط في نشاط سياسي جمعه مع قادمين من بلدان المغرب العربي ومن الهند الصينية, ومن مستعمرات فرنسا في افريقيا, مما اعطى نشاطه بعدا انسانيا وجعله اكثر قربا من نضالات الشعوب ضد الاستعمار والسيطرة, ومن هذه البوابة دخل في شبكة علاقات معقدة ومتشعبة كان الابرز فيها علاقته مع الثورة الجزائرية, وهي علاقة استمرت بعد استقلال الجزائر ومازالت متواصلة. لقد تعرف فيرجيس على المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد ودافع عنها وقد صارت زوجته فيما بعد, وتعرف ودافع عن العديد من رجالات الثورة ومن بينهم بن بيلا وبوضياف وعبدالعزيز بوتفليقه الذي عرفه ابان الثورة الجزائرية, وقد استمر فيرجيس بالدفاع عن الجزائر وقضاياها, وبين دفاعاته في السنوات الاخيرة دفاعه عن مستقبل الجزائر بل ودفاعه ايضا عن جزائريين تعرضوا للاعتقال والتعذيب بتهمة الانتماء لجماعات اسلامية يعلن فيرجيس عدم انتمائه لها رغم كونه رجلا مسلما وقد جعله نبذة انتهاك انسانية الانسان وحقوقه مدافعا عن كثير من العرب اعتقلوا في فرنسا بينهم المغربي عمر رداد في قضية اثارت الرأي العام الفرنسي, ودافع عن جورج ابراهيم عبدالله وانيس نقاش في قضايا وصفت بانها انتهاك للامن الفرنسي وقد زاد على ذلك قيامه بالدفاع عن الفدائي الفلسطيني محمود حجازي امام المحكمة الاسرائيلية في وقت مبكر من عمر الثورة الفلسطينية وتلك الدفاعات كانت جزءا من المنظومة الفكرية السياسية التي آمن بها الرجل. والاسم الثاني هو بيير غيوم مفكر ومؤرخ كبير ومؤسس ومدير تحرير مجلة فصلية رصينة تتبع المنهج العلمي النقدي في دراسة التاريخ وهو منهج الرجل في حياته العلمية التي في نتاجها كتابه المهم (الحق والتاريخ) وبفعل توجهاته الفكرية والعلمية فقد نشر كتاب المفكر الفرنسي روجيه جارودي على حلقات في مجلته مما اثار عليه حنق الدوائر الصهيونية الفرنسية المتنفذة فتابعت ضده اجراءات قانونية ادت الى منع المجلة ثم ايقافها من جانب القضاء بتهمة معاداة السامية استنادا الى قانون (جيسو) القاضي بمنع مراجعة تاريخ اليهود وهو النص الذي حوكم على اساسه في فرنسا كل من فروسيون وجارودي. وقد تجاوزت حملة العداء التي واجهها غيوم بسبب نشره كتاب جارودي (الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) الاجراءات القانونية الى ارتكابات فاشية بدأت بتظاهرات المتطرفين اليهود امام مكتبه ثم امتدت للاعتداء عليه, وصولا الى اغلاق مكتبه ووقف اعماله ونشاطاته لكن ذلك كله لم يمنع الرجل من الاستمرار في الدفاع عن موقفه من جهة وعلى تأكيد منهجه العلمي ـ النقدي في النظر الى التاريخ وبخاصة الى التاريخ اليهودي ومقولة المحرقة, والتي تناولتها ابحاث تاريخية فتح بابها الاهم بول جاسينيه في كتابه (المفترون في التاريخ) حيث دحض اسطورة غرف الغاز وقد تابع الطريق بعده كثيرون في تحد علمي لتوجهات اللوبي اليهودي في فرنسا خارجها. نموذجان من الرجال الذين يعكسون وجها ثالثا من وجوه فرنسا التي يراها ويعرفها العرب وهما في الحقيقة يعكسان الوجه الحضاري والثقافي المعرفي والعلمي لفرنسا التي اطلقت شعارات الحرية والمساواة وحقوق الانسان والتي مازال فيها من يحاول تأكيد تلك الشعارات من خلال منهج انساني علمي وموضوعي.