لاحظنا ان بعض رجال اعمالنا يخلطون المفاهيم الاقتصادية خلطاً كالسَلطة الروسية, لذلك فهم يتخذون مواقف بالرفض أو القبول لمشروع قرار اقتصادي خطير, كالتعرفة الجمركية الموحدة لدول الخليج العربي , المفترض ان يتم الاتفاق عليها حسب قرار قمة ابوظبي مع نهاية هذا العام كحد أقصى, فتكون مواقفهم بناء على هذا الخلط, إما هشة أو ضبابية أو غير معقولة أو غير ذات صلة بالواقع. وهكذا فهناك من لا يميز بعد بين التعرفة الجمركية وبين تعرفة القيمة المضافة فيعتبرهما تعرفة واحدة ومصطلحاً لموضوع واحد, ثم يعطي أمثلة خاطئة عن أمريكا وأوروبا بناء على هذا الخلط وهذا الفهم غير الصحيح, وهناك من يتحدث عن أخطار محدقة للتعرفة الجمركية الموحدة على وكالاته التجارية, على النحو الذي سمعنا آراء بعضهم من اللقاء الأخير في جمارك دبي والذي دعا إليه الدكتور عبيد صقر بوست رئيس مجلس الجمارك في الامارات ومدير عام جمارك دبي. شخصيا فهمت من آراء رجال الأعمال هؤلاء المقولة الشعبية التي تقول ان الفلوس تتكلم, أي أن الفلوس هي التي تصنع الفلوس لا غيرها, وأنه لولاها في الأساس لما أمكن لمثل هؤلاء أن يكون لهم وجود في عالم التجارة والمال والأعمال اليوم, طالما ان الواحد منهم لا يعرف التعرفة الجمركية من تعرفة القيمة المضافة مثلاً, أو لا يزال يخاف على وكالاته التجارية في عصر الانترنت والتجارة الالكترونية وقواعد منظمة التجارة العالمية التي تشق طريقها عالميا وهي تلغي القيود والحدود والسدود, بما فيها الوكالات. وعليه, فإن مبادرة جمارك دبي بالدعوة الى مناقشة التعرفة الجمركية الموحدة لدول الخليج دعوة في محلها, باستثناء انها لم تكتمل لانها اعتمدت فقط على سماع كلمة رجال الأعمال, وفي هؤلاء مثلما رأينا من يجهل أبسط المصطلحات الاقتصادية, وكان يمكن ان تثرى أكثر بدعوة الاقتصاديين المختصين والمحاسبين والاكاديميين والمصرفيين وغيرهم من المسؤولين الماليين والتجاريين المطلعين على ما يجري في العالم من تطورات, علاوة على ثقافتهم الاقتصادية وخبراتهم المفيدة, فلا يكون القرار قراراً للتجار وحدهم. مع ذلك فان هناك من أضاف إلى الطين بلة كما يقال بالتقليل من شأن التعرفة الموحدة وبعدم اهميتها لدول الخليج فطالب بتجاوزها والالتفات الى غيرها من عظائم الأمور, فلا نعرف كيف يمكن ان نتحدث عن تكامل اقتصادي وعن تكتل اقتصادي قوي في مواجهة غيرنا من تكتلات وكيف يمكن ان نحمي مصالحنا الاقتصادية مجتمعة, من دون اقرار التعرفة الجمركية الموحدة؟ وبما ان دول الخليج مطالبة بالوصول الى تعرفة جمركية موحدة لحماية مصالح دولها امام التكتلات العالمية, كالاتحاد الأوروبي مثلاً, وبما ان التعرفة الجمركية ستحقق فوائد عديدة لدول الخليج العربية مجتمعة ومنفردة, مع بعض الآثار الجانبية الخفيفة على بعض دولها وعلى بعض شركاتها ورجال أعمالها, ولزمن قصير مقارنة مع عوائد هذه التعرفة مستقبلا وعلى المدى الطويل, فإن التوصل إلى تعرفة موحدة, من دون رسوم عالية كما تطالب الامارات, أمر, إضافة إلى أنه ممكن, ضروري وحيوي, لنا في الامارات كما لدول الخليج العربي مجتمعة, وهو ما نريد أن يفهمه رجال أعمالنا, من دون القفز على الحقائق عن طريق مفاهيم مغلوطة ومن دون النظر الى مصالح شخصية بحتة, فالمصلحة العامة أبقى وأهم. ويبقى موضوع التعرفة الجمركية الموحدة بين دول (التعاون) المطلوب إقراره مع نهاية هذا العام كحد أقصى موضوعاً ينطبق عليه أنه السهل الممتنع, ما يتطلب قدراً من الإبداع من دول الخليج لكي تستطيع انجازه فعلاً, وكل ابداع بحاجة الى تفكير منطقي وعقلاني ورؤية الى المستقبل واضحة وغير ضبابية, والأهم انه بحاجة إلى تضحيات وتنازلات لابد منها من أطراف (التعاون) .