مازالت حرب كوسوفو تثير الكثير من القضايا وتحرك العديد من الاستنتاجات. في هذه الحرب اكتشفت اوروبا لاول مرة مدى الفارق العسكري بينها وبين الولايات المتحدة في مجال الاسلحة المتطورة والموجهة ووسائل التكنولوجيا الجديدة. اذ اكتشفت اوروبا كم تخلفت في مجال التنمية والتطوير العسكري . ففي حرب كوسوفو مونت الولايات المتحدة 80% من الطائرات, كما ان جميع المعلومات الاستخباراتية التي استند اليها في تحديد الاهداف جاءت من مصادر امريكية. لهذا السبب وبسبب المشاركة الامريكية الموسعة في حل مشكلة اوروبية مستعصية ستكون تكلفة اعادة بناء كوسوفو والبلقان من جراء الحرب والتي تصل الى 30 مليارا من نصيب اوروبا. وهذا يعني ان اوروبا الموحدة التي تنبأ الكثير من المحللين بمقدرتها على التحول لقوة دولية موازية للولايات المتحدة هي اليوم قوة يصعب عليها ان تتصرف باستقلالية في التعامل مع مشكلات اوروبية ونزاعات مرتبطة بأوروبا. ووفق وزير الخارجية الالماني: اثبتت كوسوفو الحقيقة المؤلمة وهي ان اوروبا غير قادرة على حل مشكلاتها لوحدها. وتواجه اوروبا بعد هذه الحرب الهامة مزيدا من احتمالات التدهور التكنولوجي في المجال العسكري فالاستمرار الامريكي في تنمية القدرات العسكرية والتكنولوجية في ظل اهمال اوروبي لهذا الجانب سوف يجعل من الصعب على اوروبا ان تلعب في المستقبل دور الشريك في عمليات عسكرية موسعة مع الولايات المتحدة. بل سوف يؤدي هذا الى اعتماد اوروبي شامل على العسكرية الامريكية. والجدير بالذكر ان الولايات المتحدة تكرس 35 مليار دولار سنويا لتطوير اسلحتها والتكنولوجيا التي تتحكم بهذه الاسلحة بينما تكرس كل اوروبا مجتمعة مالايزيد عن عشرة مليارات. فقد قلصت اوروبا منذ نهاية الحرب الباردة من مصاريفها العسكرية بنسبة النصف. كما ان معظم دول الناتو واوروبا رفضت حتى الان تغيير عقيدتها العسكرية القائمة على العدد عوضا عن التكنولوجيا الحديثة القائمة على جيوش اقل عددا شديدة المرونة تعتمد على المعلومات والمقدره على استخدامها في عملياتها. وبينما تحاول اوروبا ان تفهم مغزى الحرب التي شاركت فيها لتكتشف مدى تأخرها عسكريا, تفيق العاصمة اليوغسلافية من الحرب على صدى اعلام وقيادة سياسية لم تتعلم الكثير من دروس ما حصل, اذ مازال الاعلام الصربي يتحدث عن انتصاره على الحلفاء. مازال ميلوسيفيتش يحتفل بأنه صمد وان قوة حفظ السلام تحقق اهداف الصرب في الحفاظ على وحدة يوغسلافيا. وفي ظل استراتيجية الصرب لاقناع سكان يوغسلافيا انهم انتصروا فقد بدأت يوغسلافيا بتحويل اللاجئين الصرب الذين خرجوا من الجيش الصربي من كوسوفو الى مناطق خارج المدن وخارج العاصمة. بل حولوا معظم اللاجئين الى قرى نائية وبعيدة لكي لا تترك اثرا واضحا امام السكان. الاعلام الصربي لا يتحدث عن انسحاب للجيش اليوغسلافي أو لاجئين صرب من كوسوفو. بل يكتفي بالقول ان الامم المتحدة والقوات الروسية مسؤولة عن الامن في كوسوفو. بنفس الوقت تتزايد المعارضة ضد ميلوسيفيتش والازمة الاقتصادية بدأت تضرب البلاد فيما يرى قادة الصرب انهم انتصروا على ماذا. وبينما يعيش الصرب في عالم يرى العالم عنهم حقيقة اخرى: هزيمة واضحة للصرب ومن الجو وبدون حرب ارضية مع الجيش اليوغسلافي. بل سوف تواجه يوغسلافيا من الان فصاعدا الكثير من المصاعب, اذ ستتم اعادة بناء كوسوفو ولن تقدم المساعدة ليوغسلافيا في ظل النظام الراهن هكذا بدأت الضغوط لتغير ميلوسيفيتش, وهو قد يسقط انتخابيا في المرحلة المقبلة. وقد اثبتت الحرب بنفس الوقت مدى الاختلاف بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة اخرى, اذ اكدت ان العلاقة مع روسيا تقوم على التنافس, الا ان ضعف روسيا العسكري والاقتصادي بالتحديد يلعب دوره في الحد من الدور الروسي بل من المتوقع ان تتعزز الرؤية المنافسة لروسيا ثم للصين في المرحلة المقبلة. بل سقطت كل الاوهام حول امكانية بناء علاقة دافئة مع روسيا كما كان الحال بعد انتهاء الحرب الباردة. روسيا لاعب لابد من دور له ولابد من اخذه بعين الاعتبار. لكن روسيا بنفس الوقت ضعيفة ولهذا ولأجل غير محدد سوف يبقى دورها ثانويا ومعرضا للاهتزاز في ظل الازمات الدولية. انتهت كوسوفو الحرب, وبدأت كوسوفو السيادة واعادة البناء.. لقد كان هذا انتصارا بخسائر لاتذكر, وبثمن مقبول, انها حرب من النمط الجديد الذي تجيزه اوضاع عالم ما بعد القرن العشرين وعالم التقنية الموسعة. * أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت