التنبؤ بمستقبل البلقان أمر شديد الصعوبة بسبب كثرة العوامل المؤثرة فيه, أول هذه العوامل ان ما يصاغ على أرض الواقع حتى الان(تسوية) تضمن توقف التفجيرات الدموية ولاتضمن بالضرورة وقف الصراع, كما أن خلفية الرؤية الغربية ــ الأوروبية والأمريكية ــ هي الخوف من الوجود الاسلامي والنظر اليه بعين الشك والاتهام , ومرجع ذلك عودة ذكريات المواجهة الطويلة بين الحضارتين الاسلامية والغربية, وقد كشفت تجربة البوسنة التي انتهت باتفاق دايتون ان المتاح هو اجبار الجماعات العرقية والمذهبية على التعايش في اطار توازن محسوب لا يغير الوزن النسبي لأية جماعة عرقية أو مذهبية. وتتحرك أوروبا ــ ضمن حلف الأطلسي ــ مستحضرة حقيقة ان الاسلام أصبح الديانة الثانية في عديد من دول القارة الأوروبية ومع نمو مشاعر العداء للأقليات العرقية والدينية والمذهبية في كل دول القارة تقريباً موصوفة في الخطاب الاعلامي بأنها (نازية جديدة) لم يعد بإمكان صانع القرار الأوروبي التغاضي عن صراع يغذي استمراره هذه المشاعر ويجعل أوروبا متهمة بخيانة قيمها التي تأسست عليها تجربة التعايش. وحسب مقال للرئيس الأمريكي بيل كلينتون نشر في النيويورك تايمز في 23/5/1999 فإن أي تردد في التدخل في البلقان كان يعني (كارثة أخلاقية واستراتيجية) وأن لولا هذا التدخل (لظل النزاع في البلقان مستمراً بلا نهاية وعاملاً على نشوب حرب أوسع وتواصل التوتر مع روسيا ولفقد الناتو مصداقيته بسبب إخفاقه في الدفاع عن القيم نفسها التي اكسبته معنى) . ورغم أهمية تقييم بنود أي اتفاق يتم اقراره لتتم تسوية الوضع في البلقان فإن دلالات التدخل العسكري المشروط والجدل الذي تجاذبت أطرافه عواصم غربية عديدة أهمها واشنطن وموسكو ولندن وباريس أكثر أهمية في فهم تحولات الموقف الأوروبي ازاء الاسلام, ومن ثم التنبؤ باحتمالات استقرار السلام أو سقوطه. فالتدخل الغربي في البلقان ــ رغم أنه لا يخلو من خدمة المصالح السياسية للقوى الغربية الكبرى ــ إلا أنه يعنى بالقدر نفسه ان المسلمين أصبحوا (ربما للمرة الأولى في تاريخ أوروبا) داخل حدود تطبيق مواثيق حقوق الانسان التي ظلت منذ إقرارها تطبق بشكل اصطفائي يعكس الحزازات العرقية والمذهبية والدينية الموروثة. ومن العوامل التي يحتمل ان تلعب دوراً مهماً في مستقبل هذا السلام تحرك أوروبا ككيان واحد للعب دور دولي فاعل, فثمة مؤشرات قوية تؤكد أن السياسات القومية لكل دولة على حدة مازالت أكثر أثراً من أي تحرك جماعي, ويعزز هذا موقف الأوروبيين أنفسهم من مؤسسات الاتحاد الأوروبي, فكثير من الأوروبيين لا يعرفون ــ مثلاً ــ بوجود الاتحاد الأوروبي, وكثير ممن يعرفونه يصفونه بأن (متجر الرطانة والثرثرة) , وفي الانتخابات التي أجريت منذ قليل كان مستوى التصويت منخفضاً جداً فكان في فرنسا مثلاً ــ وهى أهم المتحمسين للوحدة الأوروبية ــ 76.13% وهى نسبة منخفضة فضلاً عن أنها تقل عن نسبة التصويت في الانتخابات السابقة قبل خمس اذ بلغت النسبة فيها 66.14%. مثل هذه الأرقام تعكس حقيقة أن الكيان الأوروبي الواحد مازال في مرحلة التكوين, وبالتالي فإن الدور الأوروبي الفاعل دولياً مازال في طور التشكل, وقد كان الاتحاد الأوروبي طوال عقد كامل من الأحداث المؤسفة في البلقان مسكوناً بالخوف من الاسلام, والخوف من التورط في صراع عرقي مذهبي قد يمتد في اجزاء أخرى من القارة, لكن ما يبدو ان بشاعة السلوك الصربي قد بددت من الذهن الغربي ــ الى حد ما ــ أكذوبة ان الارهاب يرتبط بالاسلام, إذ أكدت التجربة ان أية فكرة أحادية عرقية كانت أو مذهبية أو دينية يمكن أن تحول صاحبها الى مجرم حرب مستعد للقتل والاغتصاب وغيره من الجرائم, ومع زوال هذا الارتباط من الذهن الغربي بدا أكثر استعداداً للنظر (للمسلم) نظرة جديدة, لابوصفه عدوانياً متأهباً لقتل كل من يخالفه بل كضحية للتعصب العرقي المذهبي السلافي الأرثوذكسي. وبديهي ان المخاوف المترسخة في الوجدان الغربي لايمكن ان تزول في وقت قصير وخصوصاً انها حصاد قرون طويلة من المواجهة الشرسة لكن رد فعل مسلمي البلقان تجاه العداء الصربي سوف يكون له دور كبير في إزالة مثل هذه المخاوف أو تكريسها. فنشوء حالة من التعصب العرقي أو المذهبي أو الديني بينهم سوف تكون لها آثار سلبية في هذا السياق, فالصورة الذهنية لأية جماعة في عقل الآخرين تؤثر تأثيراً مباشراً في موقف الآخرين منها, فأي اتفاق يمكن تطبيقه بشكل متشدد أو متساهل, وكما يقول المثل الانجليزي العبقري (القانون العادل في يد القاضي الظالم ظالم, والقانون الظالم في يد القاضي العادل عادل) والانشغال بنصوص الاتفاق انشغال (بالقانون) والأمر يستلزم قدراً أكبر من الاهتمام (بالقاضي) . * باحث ــ مصري