بعد انقضاء الحياة المدرسية ثم الجامعية تنتهي مهمة التربية التي يؤدي فيها الاستاذ دورا فاعلا اساسيا, وتبزغ مرحلة جديدة يأخذ الفرد فيها على عاتقه مهمة تثقيف نفسه بنفسه, من خلال الحوار الثقافي مع الآخرين والانصراف الى مطالعة الكتب ومشاهدة التلفاز, وحتى يكون بمقدوره ان يواكب العصر ويساير الزمن , ويلحق بقطار التطور الذي لا يتوقف, فإنه يحتاج الى الالمام بمختلف المعارف الحديثة الطازجة مع التركيز على نوع متخصص منها, او اكثر, وتعد الثقافات العلمية والادبية والسياسية, من ابرز ما يحتاجه المثقف في حياته العامة. وفي هذه المجالات يستطيع الاعتماد على ما تقدمه له سواء المنوعة منها, او الاختصاصية. ولنبدأ بالصحافة العلمية, وهي تمدنا بالمعرفة العلمية والتكنولوجية والطبية التي تشكل المادة الخام الاساسية اللازمة لتحقيق المشروعات الصناعية والتنموية والاقتصادية والصحية وتطوير مختلف المرافق العامة, وقد اخذ العلم يتغلغل اليوم في ادق شرايين حياتنا اليومية, حتى غدا من غير الممكن ان نحقق تقدما في اي ميدان من الميادين بدون الثقافة العلمية المتطورة, والتي يزداد دورها اهمية بالنسبة لنا نحن العرب في ضوء ما نعانيه من قصور علمي وتقني, بالقياس الى ما تحرزه الدول المتقدمة من نجاح مستمر في هذا المضمار, ويمكن الحصول على الثقافة العلمية في الصحف اليومية والمجلات المنوعة, وفي المجلات العلمية الاختصاصية, ومن هذه المجلات ما ينشر المادة العلمية الموضوعية, ومنها ما يعني حصرا بالانتاج العلمي المترجم, كما ان بعضها يهتم بالثقافة العلمية العامة, وبعضها الآخر يتخصص في فرع معين من فروع العلوم المتعددة, مثل البيئة والحاسوب والهندسة البترولية وغيرها. وحتى تنجح الصحافة العلمية في اداء دورها يجب ان يتوافر لها عنصر الحداثة والجدة, فالمعلومات القديمة المكرورة التي كثيرا ما تظهر بعناوين وصيغ جديدة, لا تحقق الفائدة المطلوبة في ظل التطورات العلمية المستجدة التي تتسارع يوما بعد يوم فالمهم اذن ان يتزود القارىء بالثقافة العلمية الحديثة المواكبة للعصر, اما تلك التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها الاحداث فيجب ألا تجد مكانا لها في الصحافة العربية. ومن جهة ثانية فإن للدقة العلمية اهمية بالغة, لان الخطأ العلمي يقود الى اخطاء اخرى فتصبح النتائج المستخلصة في نهاية المطاف مشكوكا فيها على عكس الخطأ في المجالات الاخرى والذي يمكن ان يبقى محصورا ضمن نطاق الخطأ ذاته وحده, فالدقة والمصداقية والرصانة تعد من اهم اسس الصحافة العلمية. كما ان للتوثيق الاصولي دوره الحيوي لان العلم يستند الى الحقائق الثابتة الموثقة ويعتمد على نتائج الابحاث, والتجارب العلمية الميدانية ولا مجال فيه للآراء الشخصية والنظرات الخاصة التي يمكن ان يكون لها دور في الاحكام الادبية, فحسب وهذا يقتضي من الكاتب العلمي ان يرجع كل حقيقة او نتيجة علمية يتوصل اليها الى مرجعها الاصلي ومصدرها الذي نشأت عنه, في حين ان هذا غير مطلوب بالطريقة نفسها من الكاتب الادبي. ومن جهة اخرى فإن على الدوريات العربية ان تقدم للقارىء المادة العلمية والطبية الحديثة بطريقة واضحة ومبسطة, وان تعنى عناية خاصة بالعلوم المترجمة عن لغات الدول المتقدمة التي تسبقنا اشواطا بعيدة في الميادين العلمية والطبية والتكنولوجية, كما يحسن بها ان تضع امام الفتيان والشبان بعض الاعمال العلمية التطبيقية المصورة للتدرب عليها عمليا حتى يتكون لديهم بالتدريج عقل علمي قادر على التفكير السليم والاستنتاج واستخلاص الحقائق. ولننتقل الآن الى ما يتعلق بالادب, ولهذه الكلمة مدلول واسع يضم بين جناحيه مختلف ضروب الكتاب, وآخر ضيق ينحصر في الفنون الادبية والنقد والادبيات ذات الطابع الجمالي, ويمكن للقارىء ان ينهل من ينابيع الانتاج الادبي السخية بالانكباب على المجلات الادبية الاختصاصية والصفحات الادبية في الصحف اليومية, وعلى الرغم مما ينطوي عليه الادب من مضمون جمالي وقدرة على الامتاع, فإن الهدف الاصلي منه التوجيه الاخلاقي والحض على الخير والدعوة الى التسامي والى ركوب مراكب الصدق والنزاهة والاستقامة. وقد اصبح العرب الآن في ظل ما يعانون من تراجع وما آلت اليه اوضاعهم من تقهقر يحتاجون اكثر من اي وقت مضى الى الممارسات الاخلاقية النبيلة التي تحض عليها القيم الادبية, ومن هنا تظهر اهمية الصحافة الادبية التي بات عليها ان تكثف جهودها وتطور مادتها وتبحث عن ادوار جديدة لها تتناغم مع الاوضاع القائمة والاحوال السائدة, لقد كان الادب, ولاسيما الشعر, ينزع في الماضي نحو اثارة حماسنا وتحريك مشاعرنا وتأجيج عواطفنا واذكاء انفعالاتنا ولكننا نعتقد ان هذه الادوار الادبية لم تعد فعالة في ظل ظروفنا الراهنة. ونحن الآن في امس الحاجة الى ادب جديد متطور يعالج صميم المشكلات الاخلاقية التي تجثم على كواهلنا وتعوق تقدمنا في شتى الميادين, ونذكر على سبيل المثال النزعة الفردية العربية التي تركز على المصلحة الذاتية ولا تقيم اي وزن للمصلحة العامة الجماعية, وهذه من اكبر الآفات التي تنخر في جسد الامة العربية اليوم, وهي اكثر من اي عامل آخر , مسؤولة في نظرنا عما لحق بنا من هزائم ونكسات, والادب الراقي العملي وحده قادر على ترويض هذه النزعة ولجمها والحد من تناميها عند الانسان العربي, وهناك ايضا مشكلة الهوة السحيقة التي تفصل بين اقوالنا وافعالنا, فلا قيمة ولا معنى للمناداة بالمبادىء السامية والمثل النبيلة, اذ لم تتم ممارستها على ارض الواقع العملي. وعلى الادب ان يتصدى لهذه المشكلة حتى يشعر الفرد بضرورة قرن القول بالفعل. وما ذكرناه عن النزعة الفردية والتناقض بين الاقوال والافعال, هو مجرد مثالين من بين ظواهر عديدة غير اخلاقية تأخذ بخناق مجتمعنا العربي, وما نريد ان نقوله بالضبط, ان الصحافة الادبية يجب ان تلج آفاقا غير معهودة من قبل وتخوض غمار تجارب جديدة تختلف عن التجارب التقليدية السابقة التي كانت تعتمد على التلقين الممل وتكرار البديهيات المعروفة, اننا نفتش الآن عن دور جديد فاعل لهذه الصحافة يتمثل بتغلغلها في شرايين حياتنا الاخلاقية المعاصرة, والعمل على محاولة رأب الصدع واصلاح الخلل وتصويب الخطأ فيها, لان اخلاقنا الحالية, مسؤولة اكثر من قصورنا العلمي والثقافي والمعلوماتي, عن سوء احوالنا. والمطلوب من الصحافة العربية ان تعي مسؤوليتها الجسمية في هذا المجال, وتعمد الى نشر ادبيات جديدة فعالة قادرة على ترميم قصورنا الاخلاقي. والمجال الثالث الذي يحظى باهتمام القارىء العربي هو الثقافة السياسية التي يسعى القارىء الى التزود بها والارتشاف من معينها بسبب رغبته في متابعة التطورات السياسية ومعرفة ما يستجد على الساحتين العربية والعالمية, ولاسيما في هذا الزمن الصعب الذي يعاني فيه الشعب العربي من اختناقات سياسية خطيرة. واذا كان الاهتمام بالسياسة عند بعض شعوب العالم هو ضرب من الكماليات ووسيلة للترويح عن النفس, بسبب اطمئنان هذه الشعوب الى مصيرها ومستقبلها, فإن هذا الاهتمام بالنسبة للانسان العربي هو من ضروريات الحياة, مما يجعله يرقب المستجدات السياسية, لا لكي يستمتع بالاثارة الصحفية, وانما حتى يعرف كيف يدافع عن مصيره المهدد ومستقبله الغامض, وتزودنا الصحافة ولاسيما الصحف اليومية بعده انواع من المادة السياسية, مثل العلاقات الدولية والثقافة السياسية المنهجية العامة, والمعرفة السياسية ذات الطابع الاخباري , والآراء والتحليلات السياسية المرتبطة بالاوضاع والتطورات المحلية والعربية والعالمية, وللاسف فإننا كثيرا ما نقرأ مقالات سياسية لا تنطوي على اية جدوى او مغزى لانها تعيد تكرار كليشات وعبارات سياسية تقليدية ملها القارىء لكثرة ترديدها بطريقة مبتذلة وساذجة وديماغوجية, وقد اصبحنا نحتاج الى افكار وآراء سياسية جديدة غير تقليدية تعتمد على التحليل الموضوعي الهادىء والتنظير العلمي العقلاني البعيد عن التهويش والاثارات الانفعالية الخالية من المضمون الحقيقي. وهذه من اهم واجبات الصحافة العربية المعاصرة التي ينبغي عليها الكف عن نشر الكتابات السياسية الكلاسيكية التي لا تقدم اية حلول للمشكلات القومية التي تعصف بنا وان تستعيض عنها بأنواع جديدة من التحليلات السياسية التي تتصدى لواقعنا السياسي العملي المعاش. وهناك بالطبع بالاضافة الى العلم والادب والسياسة, مجالات اخرى كثيرة تهتم بها صحافتنا وتغطي مختلف ازاهير حديقة المعرفة اليانعة, مثل التربية والاقتصاد والتراث والفن والتاريخ والزراعة والجغرافيا والفلك وغيرها, إلا اننا ركزنا على الحقول الثلاثة الاولى لانها تعد من اولويات الصحافة العربية. وبعد فإن هذه الصحافة تؤدي اليوم مهمتين اساسيتين اولاهما تزويد القراءة بأحدث المعلومات والاخبار والنبذ العلمية والطبية والادبية والسياسية, وثانيتهما العمل على رفع المستوى الاخلاقي للانسان العربي وتغيير عقله وطرق تفكيره وممارساته بما يتلاءم مع اوضاعه الجديدة, وبما يناسب مستلزمات العصر, ونعتقد ان المهمة الثانية هي الاهم, فقد اصبحت المعلومات والمعارف, بعد اختراع الكمبيوتر والانترنت وتطوير وسائل التوثيق متوافرة بشكل جيد, وما ينقصنا اليوم اكثر من اي شىء آخر اكتشاف طرق جديدة للتفكير والتعامل الاخلاقي وهذا ما يجب وضعه على رأس سلم اهتمام الصحافة العربية المعاصرة. باحث سوري