بعد انقضاء المعركة الانتخابية في الكويت, وعودة الوضع العام الى شكله المعتاد, تبقى بعض الغبار الذي طيرته المعركة الانتخابية عالقا في الجو, ولعل من مفارقات التاريخ ان تأتي الذكرى المئوية للعلاقات البريطانية ـ الكويتية الرسمية في هذا العام عام1999م عام الانتخابات العامة, وهي السنة نفسها التي يتم فيها انتخاب آخر برلمانات القرن العشرين في الكويت, وربما لم يكن لاحد ان يربط بين الحدثين لولا فكرة اطلقها الدكتور عبدالله النفيسي من خلال برنامج تلفزيوني ودون سند تاريخي يذكر بأن (بريطانيا هي التي قررت ان تحظى الكويت بنظام ديمقراطي) وذلك من بقايات غبار المعركة الانتخابية والذي آن له ان يترسب. وكأي فكرة تفتقر الى التحليل العلمي من جهة وتغمط حق الكثيرين من جهة اخرى كما تفتقر الى الوثائق المثبتة, توقع لها الكثيرون ان تموت في مهدها وتترسب كبقية ما ترسب من غبار المعركة الانتخابية, لولا انه تم ترديدها من قبل بعض المتسائلين ـ ان اردنا تغليب النوايا الحسنة في اكثر من موقع اعلامي في الايام القليلة المقبلة. لذلك لابد من العودة الى الوثائق واستنطاق التاريخ, وتقديم التحليل المنطقي لاجلاء الامور. ابدأ بالقول بأن بريطانيا كانت لها علاقات عديدة ببلدان مختلفة هنا في الجوار العربي, وفي غير الجوار وقد انتهت هذه العلاقات التاريخية مع تلك البلدان في اطار انسحاب بريطانيا من اطراف الامبراطورية التاريخية التي بنتها منذ قرون, تم الانسحاب من دون ان تخلف بريطانيا في العديد من هذه البلدان والمناطق انظمة ديمقراطية حقيقة او حتى صورية, لقد تم بناء الديمقراطيات الحديثة بأشكالها المختلفة في البلدان التي انسحبت عنها بريطانيا نتيجة لرغبة الشعوب في ممارسة حريتها بعضها نجح وبعضها فشل, لذلك فإن القول بأن بريطانيا هي التي (فرضت) هو قول يشوبه افتقاد المنطق السليم. في ذلك القول ـ بالنسبة للكويت ـ وحركاتها الاجتماعية والسياسية, اجحاف كامل لدور الرجال الذين قامت على ايديهم الممارسة الديمقراطية في البلاد واستمرت لقد كان ابو الديمقراطية هو المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح, وقد عضد هذه الديمقراطية وسار في مسارها رجال منهم المرحوم الشيخ صباح السالم وعلى الاخص الشيخ جابر الاحمد والشيخ سعد العبدالله, ولم يكن رجال الكويت المؤسسون لهذه الديمقراطية بعيدين عن الفعل والمساهمة والمشورة, وهم عدد وافر من الرجال الذين وجدوا ببعد نظرهم ان هذا هو الطريق الاسلم لتوافق وطني في عصر التحولات الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية. وليس المقام في هذه العجالة يسمح بذكرهم بالتفصيل, ولولا هؤلاء الذين ذكرت وغيرهم لما تمتع الجيل الحالي, وما كانت لتتمتع نساء الكويت في المستقبل بحريات سياسية هي مضرب المثل بين مثيلاتها, وبشهادة المنصفين من الخارج الذين حضروا بعض مظاهر الانتخابات التي تمت في مطلع هذا الاسبوع. اما العودة الى الوثائق فهي هنا ما يهم المتابع المنصف وبها القول الفصل في المختلف عليه, وهنا اعود لبعض الوثائق وليس الكثير منها, فبداية من النصف الثاني من الخمسينات ابدى الشيخ عبدالله السالم رغبته بالاستقلال للسلطات البريطانية, بدءا من الاستغناء عن الموظفين البريطانيين في الادارة الناشئة وابدالهم بموظفين عرب مرورا بمديد التعاون مع المؤسسات الدولية والعربية, وفي نهاية 1958, وكما تقول التقارير البريطانية (ابدى حاكم الكويت المرحوم عبدالله السالم رغبة في الانضمام للجامعة العربية) , وكانت الكويت وقتها قد ساهمت في بعض لجان الجامعة منها لجنة مقاطعة اسرائيل, ولجنة البترول والمجلس الاقتصادي وقتها قام الممثل السياسي البريطاني وكما تقول الوثائق البريطانية ايضا (بتحذير الشيخ عبدالله تجاه المخاطر الكامنة من انضمام الكويت للجامعة العربية) . ونقرأ في رسائل السير جورج مدلتون الممثل اسياسي البريطاني في الكويت في معظم سني النصف الثاني من الخمسينات هذا التخوف من استقلال الكويت, ففي رسالة منه الى بيمونت (رئيس الخليج كما كان يسمي وقتها) بتاريخ العشرين من فبراير سنة 1959 يشرح فيها عدم رضا الشيخ عبدالله السالم عن السياسة البريطانية تجاه العرب خاصة مصر, ويضيف في تقريره: ان الشيخ عبدالله يسير مع الزمن ويرى ان الناصرية هي افضل تعبير للعروبة. ويمضى الممثل السياسي في رسالته ليقول انه اي الشيخ عبدالله السالم (موقن في الخمسينات سمح الشيخ عبدالله السالم بالنشاط السياسي فاصدر بعض الافراد الصحف وقامت النوادي الثقافية, وسمح بالتجمع السياسي للتعبير عن الرأي الشعبي الكويتي في القضايا العربية, ونقرأ في الوثائق البريطانية انه بعد اضطرابات مطلع فبراير سنة 1959 قام الممثل السياسي البريطاني هلفورد بزيارة الشيخ عبدالله لمناقشة ما حدث من احداث سياسية, ولكن الشيخ عبدالله كما يقول الممثل في برقيته السياسية وقتها والمؤرخة في الثاني عشر من فبراير رفض (باحتشام, ولكن بوضوح تام مناقشة الاحداث الداخلية الكويتية مع الحكومة البريطانية) . لقد ناقشت الوثائق البريطانية في تلك الفترة خطورة استقلال الكويت, بل وناقشت خطورة ان يكون هناك تمثيل سياسي وقنصلي عربي فيها, ونقرأ برقية اخرى الى لندن من الممثل البريطاني سير جورج مدلتون بتاريخ العاشر من سبتمبر سنة 1960 ان (حاكم الكويت ـ الشيخ عبدالله ـ واثق من حقه غير المنازع باتخاذ قراراته, ومن المستبعد ان اي شيء نقوله له بهذا الخصوص يمكن ان يؤثر فيه, وان افضل شيء يمكن ان نأمله هو ان يقول لنا مقدما عن توجه قرارته) . وفي اجتماع على الغداء في السابع من شهر يونيو سنة 1960, وضم اللقاء مسؤولين من الخارجية البريطانية ومسؤولين امريكان وكان الموضوع هو الكويت, نبه الجانب البريطاني ان الكويت مازالت تمثل حجر زاوية في سياسة بريطانيا في الخليج, وان اولوية وايتهول (مقر الحكم البريطاني) هي الحفاظ على استقلال الكويت وليس بالضرورة موقع حكومة صاحبة الجلالة هناك, واشار الجانب البريطاني ان الحماية البريطانية على الكويت سيعاد النظر فيها فقط ان وجدت طريقة اخرى لتأكيد استقلال الكويت, وان وجدت مصادر نفطية خارج الشرق الاوسط بكميات معقولة. لقد كان هاجس الحكومة البريطانية مبكرا, ويدور حول مطالبات المغفور له الشيخ عبدالله السالم بالاستقلال ففي وقت مبكر من سنة 1958 تبادلت الحكومة البريطانية مع الكويت مذكرة تتضمن (ان حكومة صاحبة الجلالة توافق في المستقبل ان يقيم حاكم الكويت علاقات مباشرة مع الدول العربية) على الرغم من المذكرات والاجتماعات التي كانت تعقد في لندن حول القلق من وجود ممثلين سياسيين عرب او اجانب في الكويت. وقد قرر الشيخ عبدالله السالم في نهاية الخمسينات, وكما تقول الوثائق البريطانية ـ دون مقدمات ـ ان يحول الاشراف على التقاضي من الاجانب الى المحاكم الكويتية, واعتبر انه من الخطأ ان يعامل مقيمون في الكويت بشكل مختلف, رغم معارضة السلطات البريطانية, فإن الامر تم كما اراد, ومعركة نقل القضاء الى السلطة الكويتية كاملا هي معركة تتحدث عنها الوثائق البريطانية بإسهاب, وتمثل اصرار المرحوم عبدالله السالم, وحتى قبل اعلان الاستقلال على ان تمارس السلطات الكويتية جميع اختصاصاتها. وحتى عندما جاء الممثل السياسي البريطاني جورج مدلتون بوجهة نظر وزير الخارجية البريطاني وقتها سلوين لويد يشرح فيها معارضة بريطانيا نقل التقاضي لجميع من يعيش في الكويت الى المحاكم الكويتية اصر الشيخ عبدالله علي ان العلاقة الكويتية ببريطانيا لابد ان تتغير. قبل عقد انتخابات المجلس التأسيسي في الاول من نوفمبر سنة 1960 كانت الكويت عضوا كاملا في عدد من المؤسسات الدولية منها على سبيل المثال, اتحاد البريد الدولي الاتحاد الدولي للآنسات, الاتحاد الدولي للطيران المدني, وكانت في طريقها لتكون عضوا كاملا في منظمة اليونسكو, وتخطط لاصدار عملتها الوطنية, لقد كانت عجلة بناء الدولة الحديثة وشكل تطورها في الطريق الصحيح لذا جاءت انتخابات المجلس التأسيسي لتأكيد شكل التطور الديمقراطي والموسسي بعد ذلك. من متابعة السنوات السابقة لاستقلال الكويت ومن الوثائق التي ظهر معظمها والخاصة بهذه الفترة الدقيقة من فترات التحول لم اجد ـ حتى الآن ـ اية وثيقة تقول بأن البريطانيين حثوا السلطة الكويتية لاتخاذ هذا التوجه الداخلي او ذاك خاصة في موضوع المشاركة السياسية بل لعل السلطات البريطانية كانت تأمل من خلال تقاريرها ان يتأخر استقلال الكويت, وعلى العكس فقد قاوم الكويتيون ـ بالتأكيد ـ اية محاولة للتدخل في شؤونهم الداخلية الخط الديمقراطي الذي نعمت به الكويت منذ الاستقلال كان محصلة للعديد من العوامل منها وعي واضح وتاريخي للمسؤولين الكويتيين في ذلك الوقت, وقد ذكرت بعضهم, ووعي شعبي متنام له جذور تاريخية, ووضع اقتصادي مساعد, وذلك التوجه السياسي لم يكن بالتأكيد نتيجة (نصيحة بريطانية) لان قولنا هذا هو مصادرة لجهد حقيقي وشجاع لرجال لم تنقصهم روح مسايرة العصر او تحمل الصعاب.