زادت سخونة المنافسة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية مع بقاء ثمانية أشهر فقط تفصلنا عن الجولة الأخرى في هذه الانتخابات , ومع ان بعض القضايا قد أثيرت في هذه الأجواء الساخنة, الا ان التنافس الحقيقي بين المرشحين ليس على القضايا بل على المال. فمنذ شهور والمرشحون الاثنا عشر للرئاسة (10 جمهوريين و2 ديمقراطيين) وهم يزرعون أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية جيئة وذهابا للحصول على دعم الأنصار المهمين سعيا وراء التبرعات لتمويل حملاتهم الانتخابية. صحيح ان كل المرشحين بلا استثناء قد قاموا بزيارات متكررة لولايتي ايوا وهامبشاير اللتين ستشهدان أول الانتخابات في المنافسة الرئاسية لتنظيم الحملات وبناء شبكات الدعم والتأييد, الا ان الهم الأكبر الذي شغل معظم أوقات المرشحين المهمين هو جمع التبرعات. وتنص قوانين اللجنة الانتخابية الفيدرالية الأمريكية على ضرورة تقديم المرشحين للرئاسة تقارير عن دخلهم ونفقاتهم كل ثلاثة أشهر. وكان موعد التقرير الربع سنوي الثاني هو 30 يونيو الماضي, أما النتائج فكانت مذهلة حقا. لقد تمكن المرشحون الاثنا عشر حتى ذلك التاريخ من جمع تبرعات مالية بلغت 100 مليون دولار, كان للمرشح الجمهوري حاكم تكساس جورج بوش نصيب الأسد منها حيث استطاع أن يجمع 36 مليون دولار. أما منافسه الجمهوري الأقرب فهو جون ماكاين ممثل أريزونا في مجلس الشيوخ (6.1 ملايين دولار) تلاه جاري بوير واليزابيث دول ثم نائب الرئيس السابق دان كوايل الذي حقق (3.3 ملايين دولار). وعلى الجانب الديمقراطي وكما هو متوقع تفوق نائب الرئيس الأمريكي الحالي آل جور بحوالي 20 مليون دولار بينما منافسه الوحيد على قائمة الديمقراطيين بيل برادلي ممثل ولاية نيوجيرسي في مجلس الشيوخ حقق 12 مليون دولار تقريبا. واستقطبت صدارة بوش لمنافسيه على قائمة التبرعات تغطية ايجابية مكثفة من الصحافة, وكما هو متوقع نقدا شديدا من منافسيه, فمن جانبه جدد ماكاين الذي نادى طويلا باصلاح أساليب التبرعات الانتخابية الحالية, تعهده بجعل (دور الأموال في السياسة) قضيته الأساسية في انتخابات 2000 الرئاسية, لكن (القضية المفضلة) هذه لماكاين الآن لم تجذب كثيرا من الاهتمام بها, ومن اهتم بها اعتبرها نوعا من (العنب الحامض) لمرشح غير قادر على التنافس في سباق التبرعات. في المقابل يصاب المرء بالذهول من قوة الآلة الدعائية لبوش, خصوصا أنه لم يبدأ حملة جمع التبرعات الخاصة به الا في الاول من ابريل 1999, وذلك يعني انه استطاع ان يحصل على تبرعات من ناخبيه بمعدل 300 الف دولار يوميا, وما يزيد من الدهشة ان نعلم بأن القوانين الأمريكية تمنع أن تزيد التبرعات الفردية التي يقدمها الافراد عن 1000 دولار لكل مواطن, وهذا ما يؤكد على ان بوش في طريقه ليحقق حجماً من التبرعات لم يحققها مرشح غيره في تاريخ الانتخابات الأمريكية. وأذكر هنا انه وفي نفس هذه المرحلة الزمنية من انتخابات ,1996 كان الرئيس كلينتون هو الذي سجل الرقم القياسي الأمريكي في حجم التبرعات ووصل حينها 25 مليون دولار. وبينما يصف بعض نقاد بوش حملته بأنها مفرطة ويتوعدونه باستخدامها كقضية ضده, فليس هناك أدنى مجال للشك بأنهم كلهم تقريبا يعانون من مصاعب مالية, فنجاح بوش هذا يزيد من مشاكل منافسيه في ايجاد الموارد المالية للوقوف فى وجهه. والاستثناء الوحيد هو المليونير ستيف فوربس باعتباره يستطيع بل وأشار الى انه سينفق من ماله الخاص ليقارع بوش دولارا بدولار. طبعا, فما زال الوقت مبكرا أمام بوش ليطمئن ويركن الى نصره هذا, بل سيستمر في جمع التبرعات, ويتوقع له ان يجمع حتى نهاية حملته ما بين 55 و60 مليون دولار. وما زال على بوش ايضا ان ينطر قفاه, فمن الممكن حتى الآن أن يباغته منافس آخر ويتجاوزه, خصوصا اذا ما أفلتت من بوش زلة خطيرة أو سلسلة من الهنات, أو اذا ما وقعت يد الاعلام على فضيحة ما حينها ستبدأ الهالة التي تحيط به باعتباره الفائز الأكيد بالتآكل. وعلى كل حال, يعيش بوش حاليا شهر عسل سلس مع الصحافة, الأمر الذي يسمح له بتغذية حملته التمويلية, لكن من يدري فربما تدير له الأحداث ظهر المجن لينحسر مده ويظهر مرشح آخر باعتباره الرئيس الواعد الذي يستقطب أموال الدعم. والشيء الوحيد المؤكد في سيل الاحتمالات هذا, ان الولايات المتحدة تعيش حاليا عصر رخاء يجعل المزيد من المواطنين مستعدين بل ومتلهفين للاسهام ماليا في السياسة, وفي هذه اللحظة فان هؤلاء يوجهون اسهامهم نحو جورج بوش لكن ذلك قد لايستمر. وعلى جبهة انتخابية أخرى يواجه بوش قضية أخرى, اذ ان نجاحه المالي قد زاد من نقمة بعض أبناء حزبه المتشددين وهم عناصر الجناح اليميني للحزب الجمهوري, فقد شعر هؤلاء بالسخط خلال الأسابيع الأخيرة, لما بدت لهم جهود يبذلها بوش للتخفيف من شدة الموقف الذي يتخذه الحزب ضد حق الاجهاض, وكان بوش قد أشار بأنه لن يجعل لمعارضة الاجهاض أو تأييده أي دور في اختيار المرشحين للمحكمة العليا, وهو الموقف الذي فتح عليه نيران المحافظين ولم يكتف بذلك بل أعلن لاحقا انه قد يختار مناصرا لحق الاجهاض نائبا رئاسيا له في حملته الانتخابية. كل ذلك دفع ببعض المحافظين للتفكير في تنظيم حملة انتخابية مستقلة خارج الحزب الجمهوري, لكن مع الاعلان عن حجم التبرعات ربما يشعر هؤلاء انهم ليست لديهم الموارد لمواجهة الحملة الجمهورية, فكيف في ادارة عجلة حزب ثالث. بالنسبة لآل جور وعلى الرغم من تحقيقه هدفه المعلن وهو 20 مليون دولار, فإن لنائب الرئيس الحالي دوافعه للقلق بشأن الاثني عشر مليون دولار التي جمعها بيل برادلي, فقد أثبت برادلي ان لديه من المال ما يكفيه لادارة حملته الانتخابية حتى الجولة الأولى من الانتخابات, الأمر الذي يجبر منظمي حملة آل جور على انفاق المزيد من المال والجهد أكثر مما أملوا بأنه سيكون كافيا لهزيمة منافسهم الوحيد. وبينما ورث جور شبكة كلينتون ومعظم أجهزة الحزب الديمقراطي, تعتمد مساعي برادلي على ولايته الأم نيوجيرسي وصلاته داخلها الى جانب علاقاته أيام الدراسة في جامعة برنستون والسنوات التي قضاها كلاعب بيسبول محترف. وفي الوقت الذي يتمتع فيه جور بدعم معظم الديمقراطيين, حاز برادلي دعم بعض (المنشقين) ذوي الشعبية من الشيوخ الديمقراطيين, وعدد من نجوم لعبة البيسبول الذين لفتوا الأنظار الى حملته, طبعا حملة جور ما زالت صلبة ومتماسكة لكن نتائج التبرعات أرسلت له رسالة واضحة مفادها (برادلي الذي لم يحدد حتى الآن أسباب ترشيحه للرئاسة وبماذا يختلف عن جور) انما هو مرشح جدي وسيستمر في منافسة جور على الدعم والمال. خلاصة القول انه على الرغم من احتجاج العامة على الفضائح المالية التي أحاطت بالتبرعات المالية في انتخابات ,1996 فإن شيئا لم يتم حتى الآن للحد من الدور الذي يلعبه المال في السياسة الأمريكية, فمجلس الشيوخ دأب على تكرار معارضته لهكذا خطوة وبالتالي فإن المال والمقدرة على تكديسه سيظل عاملا مهما في انتخابات 2000. وإذا ما أخذنا التقارير الربع سنوية الثانية كمؤشر معتمد, فإن السباق نحو انتخابات عام 2000 سيكون الأكثر تكلفة من نوعه في التاريخ, ومع ان المال سيستمر في التدفق خلال الأشهر الستة المقبلة, فإنه ايضا سيستمر في التدفق دون رقابة أو قيود, كذلك ستستمر السياسات والسياسيون بجمعه وانفاقه دون حساب في لعبة الانتخابات المكلفة. رئيس المعهد العربي الأمريكي