يصر اتجاه في السلطة الفلسطينية, وهو اتجاه متحمس جداً لعملية السلام في كل الاوقات, ان وصول ايهود باراك الى السلطة في اسرائيل وسقوط بنيامين نتانياهو يشكل اختراقاً في العملية السلمية اذا ما عرف الفلسطينيون ادارة المفاوضات مع حكومة باراك . ويعتقد هذا الاتجاه ان ما جرى في اسرائيل من تغيير في الانتخابات الاخيرة, يشكل تحولاً هاماً في الخارطة السياسية الاسرائيلية, خاصة مع غياب احزاب اقصى اليمين, وخسارة الليكود لعدد كبير من مقاعده. ولا يرى هذا الاتجاه في باراك صقراً لان خطوطه الحمر التي تبناها خلال حملته الانتخابية ــ حسب هذا الاتجاه ــ تدرج في اطار المفاوضات عبر وسائل الاعلام, هكذا يفسر تمسك باراك بخطوطه الحمر بعد انتهاء الحملة الانتخابية, وان الفروق بين العمل والليكود هي فروق جوهرية بشأن عملية السلام ورغبة في الوصول الى نهايتها. وعلى عكس نتانياهو الذي اصطدم بالعالم ووقف موقفاً متعنتاً انغلق عن العالم, يبدي باراك استعداداً للتكيف مع الوضع الدولي, مما يجعله منفتحاً على تقديم تنازلات جوهرية ثمناً للتكيف, ويجبره على دفع السياسات الايديولوجية التوسعية الى الظل حتى لا تتصادم مع التكيف. باختصار يعتقد هذا الاتجاه ان صعود باراك الى السلطة في اسرائيل يقرب الفلسطينيين من اهدافهم, لذلك ينصح هذا الاتجاه بعدم التقليل من اهمية هذا التغيير واعطاء باراك فرصة حتى يتم اكتشاف سياسته بعد تشكيل الحكومة الاسرائيلية وزيارته الى الولايات المتحدة, ولا يخفي هذا الاتجاه سعادته بقدوم باراك الى السلطة في اسرائيل. ان طريقة التفكير الكارثية التي يعبر عنها هذا الاتجاه, لا تتعلق بوضع هوة واسعة بين باراك ونتانياهو وكأنهما ينتميان الى خندقي حرب قائمة بينهما فحسب, بل الاسوأ ان هذا الاتجاه يرهن السياسات الفلسطينية بالمتطلبات الداخلية الاسرائيلية, ويسعى بشكل حثيث لتطبيع السياسة الفلسطينية مع هذه المتطلبات. بمعنى آخر يطلب هذا الاتجاه اعادة انتاج السياسة الفلسطينية للتكيف مع الوقائع الاسرائيلية التي يعتبرها جديدة, ويختصر هذا الاتجاه ازمة المفاوضات مع اسرائيل الى تلك التي كانت قائمة في ظل ولاية نتانياهو, وكأنها قبل ذلك كانت تسير على قدم وساق. ولاشك بأن اي مقارنة بين باراك ونتانياهو ستكون لصالح الاول, واذا كان لا يمكن المطابقة بينهما تماماً, فان من المبالغة الشديدة ودعوة ساذجة اكثر منها متفائلة تلك التي ترى, ان هناك خلافات جوهرية وعميقة بين الاثنين, فان لم توضع هذه الخلافات بين الاتجاهين الرئيسيين في اسرائيل في موقعها الطبيعي, فانها بالتأكيد ستنتج سياسة فلسطينية خاطئة, وفي هذا الاطار من الخطأ ان يبدأ الترويج الفلسطيني لبارك وللامكانية الواسعة للتنازلات التي يقدمها, والباسه ثوبا هو لا يدعيه, ولا يمكن ان يكون على مقاسه. ان السياسة التي يحاول هذا الاتجاه الترويج لها سياسة مدمرة, تقيس اللحظة السياسية الراهنة على المعطيات الاخيرة, وكأن الخروج المتواضع في هذه المعطيات يجعل الامر وكأنه انجاز تاريخي, فان يأتي باراك لتنفيذ اتفاق واي بلانتيشن, فاي انجاز تاريخي بذلك؟ طالما ان من وقع الاتفاق نتانياهو ذاته, واذا كانت قضايا الحل الانتقالي هو موقع التمايزات بين باراك ونتانياهو, فان المعضلة في المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية ليست هنا, بل في قضايا الحل النهائي والتي تشكل قضايا اجماع (وطني) اسرائيلي. الحماس الذي ولد عند هذا الاتجاه بعد فوز باراك, جعل بعض دعاته يطلبون من العرب تسهيل مهمة باراك, فاحد هؤلاء المتحمسين كتب مقالا في صحيفة (الحياة) في 13 يونيو للترويج لهذا الخط السياسي, ومن السخرية ان هذا الكاتب يعدد الاختراقات التي يمكن ان يقدم عليها باراك, من بينها ان باراك سيعيد الجولان حتما إلى السيادة السورية, وهذا ممكن, ومن بين ما سيتحرر مع الجولان (قطاع الحمة) الفلسطيني, ويقترح كاتب المقال ان تعود هذه المنطقة إلى السلطة الفلسطينية والاتفاق على تمكين آلاف اللاجئين الفلسطينيين من الاقامة فيها وتحقيق حلمهم في العودة. ان هذا الالقاء الرخيص للحقوق الفلسطينية هو النموذج لهذا الخط السياسي, فترحيبا بباراك يتحول حق للعودة للفلسطينيين من حق العودة إلى ديارهم التي خرجوا منها حسب قرارات الامم المتحدة, إلى العودة إلى (قطاع الحمة) , فهل هناك سخف وخفة وسخرية اكثر من ذلك للتعامل مع الحقوق الفلسطينية؟ على دعاة باراك من الفلسطينيين ان يتمهلوا قليلا, فالقضايا الاكثر تعقيدا هي القضايا المقبلة, وهذه الطريقة من الترويج وهذا الخط السياسي الكارثي, سيقدم كل قضايا الحل النهائي إلى باراك على طبق من ذهب, وحسب المواصفات الاسرائيلية. فاذا استطاع هذا الخط السياسي ان يشكل اساس تحرك السلطة الفلسطينية فعلى الحقوق الفلسطينية السلام. كاتبة فلسطينية