تسببت كوكب الشرق السيدة الراحلة أم كلثوم في رسوب طالب من طلابنا في مادة الفيزياء هذا العام, فلما سئل عن سبب رسوبه في هذه المادة تحديداً وخسارته النجاح من الدور الاول في امتحانات الثانوية العامة, قال الطالب أنه في يوم امتحان الفيزياء ذهب الى المدرسة برفقة أبيه, وهو اليوم الوحيد الذي يصحبه الى المدرسة فيما العادة كان يذهب مع اصدقائه في سيارة احدى العائلات, فأسمعه أبوه في الطريق أغنية لأم كلثوم, هي على الأرجح التي جعلته لا يفكر بطريقة سليمة فرسب في الامتحان, اما بقية المواد فقد نجح فيها كلها لأنه في الطريق الى المدرسة يستمع وزملاؤه الى موسيقى صاخبة من النوع الذي يحبون. طبعاً لو كانت أم كلثوم السبب في الرسوب, لما نجح من جيلنا وما قبلنا وما بعدنا بقليل أحد, لأننا كنا نستمع للست ثومة ليلاً ونهاراً ونريح مع صوتها وشدوها أعصابنا ونحلق مع ألحان أغنياتها وكلماتها في الآفاق, لولا أن الطالب يقدم لوالده عذراً أقبح من ذنب, كما ان الموسيقى الصاخبة التي يولع بها لا يمكن ان تكون بديلاً لأغنيات أم كلثوم أو أنها تساعد على التفكير المنطقي والسليم في النجاح في أي امتحان خاصة أنها من نوع الموسيقى الخليط التي لا يؤدي سماعها إلا الى خرم طبلة الأذن أو خلط الأمور أو الجنون والصداع. وهكذا فهناك للرسوب ألف سبب وسبب, تبدأ من اهمال المذاكرة وعدم التركيز وتمر بالاستهتار واللامبالاة ولا تنتهي بالاستيعاب الجيد للدروس وغياب الحماس والدافع الى النجاح, من دون حاجة الى أم كلثوم أو فيروز أو حتى نوال الزغبي وجورج وسوف, فقد قيل قديماً من جد وجد ومن زرع حصد ومن سار على الدرب وصل, وفوق ذلك, من طلب العلا سهر الليالي. غير أن الطلبة هذه الأيام لا يعرفون ما قيل قديماً, واذا عرفوا لم يهتموا فذلك مما لا يدخل في اهتمامهم, وقلة الاعتماد على النفس ومواجهة الحياة وتحمل المشاق لم تعد في قاموسهم, ما يفسر عندنا, لا استهتار الطلبة وعدم حماسهم لسماع نتائج امتحاناتهم أو معرفتها, كما هو الحال مع أولياء أمورهم مثلاً, بل ما يفسر تدني مستويات النتائج وتدني نسب النجاح, إلى أقل من 50% أو في حدودها لمعظم الطلبة, حيث قلة منهم تجاوزت نسبها إلى 70% فيما الغالبية تتأرجح ما دون الـ60% بكثير. ونترك تحليل النتائج إلى المعنيين والمختصين وكذلك معرفة أسباب هذا التدني الكبير في مستوى التحصيل العلمي لدى الطلبة, غير ان الواضح لدينا ان من أسباب ذلك هو اختلال علاقة الطالب بمدرسته وبمعلميه وضياع هيبة كل منهما عنده, ما يفقد بالتالي العلم والتحصيل الهيبة المفترضة والرغبة فيهما وتحمل المشاق في سبيلهما, مما لا نجده حقا في طلبة هذه الأيام إلا قليلا مقارنة بما كنا عليه طلابا نحن وغيرنا من أجيال سابقة. ولن أتوقف عند اتهام ساقه مؤخرا الممثل الكبير كمال الشناوي لمسرحية (مدرسة المشاغبين) التي وصفها بأنها ضيعت جيلا بكامله وأخلت بالعلاقة بين المدرس وتلاميذه وأضاعت هيبة المدرسة, مع انه رأي لا يخلو من وجاهة ويتطلب التوقف عنده أكثر, الا اننا لا نريد في الوقت نفسه أن نثقل الاتهامات على طلابنا الراسبين والمتخلفين, فلربما كان لبعضهم من الأعذار ما يبرر لهم نتائجهم الدراسية الضعيفة, كما ان ارتفاع معدلات النجاح بنسب كبيرة جميعها أمر مستحيل, ذلك لان قدرات الطلاب ليست واحدة والتفاوت فيما بينهم طبيعي. وهكذا فإننا نذكر أولياء الأمور هذه المرة, أكثر من تذكيرنا للطلاب, بما قيل قديما أيضا للمرة الثانية من ان لكل جواد كبوة, فيكون الرسوب أو التخلف والسقوط من الأمور الطبيعية التي ينبغي التعامل معها بعقلانية, بحيث نستنهض في الراسبين هممهم للنجاح, بوصف الرسوب ليس إلا تجربة مرة يمكن بعدها تذوق حلاوة النجاح, فندفع بأولادنا إلى التخرج من مدرسة المشاغبين أولا والدخول في مدرسة المتفوقين أبدا.