الحديث عن هامش الحرية (الجيد) الذي تحدثنا عنه بالامس والذي تتحرك في فضائه قناة (الجزيرة) القطرية الخاصة, لم يرق للكثير من الاخوة القراء من متابعي هذه القناة ! ولهم كل الحق فيما ذهبوا اليه من وجهات نظر بخصوص بعض البرامج وبعض المذيعين! وبما ان اللبيب من الاشارة يفهم, فنحن نعلم ان قراءنا يعرفون تماما من نقصد وبدون ذكر اسماء, ولكن حديث الامس... بالتأكيد لم يكن تصفيقا ولا هتافاً تبعيا لكل ما تقذف به (الجزيرة) من سلتها الاعلامية, فأنا على يقين بأن بعض محتويات السلة فاسد وبعضها صحيح ومعافى تماماً والعبرة بذائقة المشاهد ومستوى وعيه وثقافته. لقد قلت بالامس بأن قناة الجزيرة تعيش اليوم ومنذ اليوم الاول الذي خرجت فيه برامجها الحوارية المعروفة ازمة علاقات ليس مع افراد بل مع نظم حكم, وان كان للجماهير المتابعة اكثر من علامة استفهام واكثر من نقطة خلاف. وكنت قد انتقدت هذه البرامج ومقدميها بالاسم في مقالات سابقة وشبهت هذه الحوارات بــ (حوار الطرشان) الذي لا يسمع فيه المتحاورون بعضهم بعضا ولا يعرف المشاهد اي شيء عما يدور في الحوار... ووحده الصراخ سيد الموقف وحرب الاتهامات هي الطابع, والصوت العالي والزاعق هو الفيصل والحكم. وربما يتذكر الكثير من القراء الازمة التي اثارتها حكومة الاردن ــ وكانت على حق ــ بعد الحوار الشهير الذي اذيع عبر قناة الجزيرة والذي كاد ان يؤدي الى ازمة بين الاردنيين والفلسطينيين, وما تبع هذا الحوار من اتهامات (بالعمالة) لجهات اجنبية من بعض مذيعي القناة! وقد ظهرت هذه الاتهامات على صفحات جرائد قطرية مناهضة لخط الجزيرة واذكر منها صحيفة (الوطن) القطرية. ولكن كل ذلك لا ينفي ان (الجزيرة) قناة تحاول ان تجدف في خط آخر مخالف لما تسير فيه أغلب قنواتنا الفضائية العربية التي تنتهج خط: (اغنية جديدة واخرى فيديو كليب مصور حديثا وبين الاثنين لقاء مع نجم او حلقة من مسلسل مكسيكي) وذراً للرماد في العيون فلا بأس من نشرة اخبار او ندوة يتيمة مقذوفة في آخر اوقات البث المسائية, وبرنامج ديني قاتم الاضاءة (لاضافة الهيبة على ما اظن) وفي توقيت غير ملائم وبديكور يثير الكآبة, لولا برنامج الشيخ (الكبيسي) الذي شذ عن قاعدة البرامج الدينية واظن ان الفضل لشخصية الشيخ وليس لجهود التلفزيون. قناة الجزيرة قناة فضائية عربية مختلف عليها كأي ظاهرة مغايرة للسائد في واقعنا العربي! فنحن العرب لانعرف الا ان نعادي بشكل سافر او نوافق ونحابي ونجامل بشكل سافر ايضا مصداقا لقول شاعرنا عمرو بن كلثوم: ونحن اناس لاتوسط عندنا لنا الصدر دون العالمين او القبر وبين العداء والحب أمور ومناطق يشتبه علينا الامر في الحكم عليها فلا نصل فيها لقرار حاسم فنضعها في خانة (الاختلاف) , ونراضي نفوسنا بقولنا (اختلاف امتي رحمة) !! ولا بأس من الاختلاف, ولا بأس بالانتقاد, وأظن بأن كل ذلك تراكم جيد ومطلوب لتكوين قاعدة رأي عام مستنير وحر وواعي, لا نستورده نستنسخه, بل نكونه من تجاربنا حتى وان كان بطريقة التجربة والخطأ, فهكذا كونت كل الامم تراثها وحضارتها وناتج وعيها ومازالت مستمرة في الطريق نفسه.