لقد أسهمت فكرتان تقليديتان, هما فكرتا النمو والتقدم, اسهاما كبيرا في تشكيل المجتمع البشري. لقد أسهمت هاتان الفكرتان في بناء هذا المجتمع. ومما لا شك فيه ان النمو هام بالنسبة الى النظام الاقتصادي في كل المجتمعات. وتبدو قطاعات قوية في المجتمع أشد التزاما بهما مما كان الأمر في الماضي. غير انه يوجد من المهتمين بالموضوع من يشككون في تحقيق هاتين الفكرتين ومن لديهم تحفظات قوية عنهما. وتوجد في الوقت الحاضر مجموعة كبيرة من المؤشرات البيئية بأن البشر لا يزالون على الصعيد العالمي يبتعدون عن الاستدامة الاقتصادية والبيئية ولا يقتربون منها. ان البيان الختامي الذي صدر عن مؤتمر قمة الارض الذي عقدته الأمم المتحدة في سنة 1997 لاحظ ان المشاركين لديهم قلق عميق لأن الاتجاهات العامة للتنمية المستدامة أسوأ اليوم مما كانت عليه في سنة 1992 التي عقد فيها مؤتمر القمة السابق. غير ان المشاركين في مؤتمر سنة 1997 لم يتوصلوا الى اتفاق على كيفية تناول المسائل البيئية الكبيرة. في المناقشة الجارية اليوم حول التقدم فإن المسألة الجوهرية هي مسألة اتجاه التغير. هل مواصلة طريق التقدم في الوقت الحاضر باتجاه زيادة متوسط حجم الثروة لاعطاء الاشخاص المستهلكين قدرا أكبر من الاختيار ستحسن نوعية الحياة؟ أم هل البشر يحتاجون الى سلوك طريق جديد يؤدي الى اتجاه مختلف صوب أهداف اجتماعية وشخصية جديدة؟ يبدو ان السند العقلي للنمو الاقتصادي الذي يسعى كثير من البشر الى تحقيقه تعتوره عيوب في بضعة جوانب هامة: الداعون الى هذا الطراز من النمو الاقتصادي يستهينون بالفجوة المتزايدة الاتساع بين حجم التحديات التي تواجه بيئتنا الطبيعية وقدرتنا على التصدي لها, وتتسم نظرة هؤلاء الدعاة الى الرخاء البشري بالضيق, وهم لا يقدمون تفسيرا لاعتقاد كثير من الناس, فيما يبدو, بأن الحياة تزداد سوءا على الرغم من التغير الاقتصادي والاجتماعي السريع الذي لايزال يحدث منذ ما يزيد على ستة عقود, وهؤلاء الدعاة يبالغون في أهمية الدور الذي أداه النمو الاقتصادي في تحقيق الرخاء. ان (الأكثر) لا يعني (الأفضل) اذا ضحى البشر, وهم يبذلون الجهود للحصول على أكثر, بما يهم حقا رخاءهم وسعادتهم: نوعية علاقاتهم الانسانية والشخصية والاجتماعية التي تمنحهم حسا بالمعنى والغرض والانتماء. وليس في وسع البشر مواصلة الحصول على (مزيد) اذا استنفدوا, بقيامهم بذلك, الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها حياتهم برمتها على الأرض. ويبرر راسمو السياسة تشجيع النمو باعتباره وسيلة لايجاد فرص العمل. ان من الصحيح القول ان النمو الاقتصادي قد يكون أفضل من الانكماش الاقتصادي في تحقيق هدف زيادة فرص العمالة. ولكن هذا النمو يستنزف الموارد الطبيعية الشحيحة ويمس بالسلامة البيئية ويوجد قدرا أكبر من الخوف على مصير الوظيفة ويحدث فجوة متزايدة الاتساع في المداخيل. وتضع هذه العوامل كلها على الافراد والعائلات ونسيج المجتمع برمته ضغوطا ثقيلة. ان ما تحتاج البشرية اليه هو القاء نظرة فاحصة على الآثار المترتبة على ما يدعى النمو الاقتصادي وعلى البدائل التي قد تكون متاحة. من اللازم ان يركز البشر ليس فقط على ايجاد الثروة ولكن ايضا على توزيعها وطريقة توزيعها والمحافظة عليها. وليس المقصود بهذا العرض التخلي عن النمو ولكن المهمة الماثلة هي التحرك فيما يتجاوز النمو. للنشاط الاقتصادي والابتكار والتكنولوجيا دورهما في حياة المجتمع, غير ان من اللازم ان تقود قيم مختلفة هذه النشاطات الاقتصادية. يتوجب علينا ان نطرح بضعة أسئلة منها: ما الذي نريده من الحياة وما هو الغرض منها؟ وما الذي يجعل الحياة أفضل؟ وما هي القيم التي يجب ان نسترشد بها في الحياة والتي تنهض بما نريده؟ وما معنى التقدم وكيف نحقق السعادة؟ وما هي أفضل الطرق للحصول على ما نريده؟ ان كيفية تناولنا بفعالية لكثير من القضايا الحرجة التي تواجه حاليا المجتمعات الغربية وسائر اجزاء العالم تتوقف حقا على اجاباتنا عن هذه الاسئلة بالغة الأهمية.