قبل ان ينتهي رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب من اعلان وزارته, وأثناء مفاوضاته الحزبية الداخلية المملة, قدم ايهود باراك للجانب العربي درسا مجانيا في كيفية مقاربة عملية التسوية, فقد شكل الرجل ثلاثة طواقم تفاوضية, يختص كل منها بأحد مسارات التفاوض مع القوى العربية المعنية. يقود الطاقم الأول للتفاوض مع سورية الجنرال احتياط (أوري ساجي) أحد رؤساء الاستخبارات العسكرية السابقين, ويتولى الطاقم الثاني على المسار الفلسطيني رئيس الاركان السابق الجنرال (أمنون شاحاك) , فيما يرأس الطاقم الثالث للتفاوض مع لبنان الجنرال (يوسي بيليد) القائد السابق للمنطقة العسكرية الشمالية, وقد تم تعيين الجنرال (داني ياتوم) مدير الموساد المدحور كمنسق عام ونقطة تلاق بين أضلاع هذا المثلث. أطلق باراك على مجموعة الجنرالات هذه اسم (مجلس السلام) . ونستطيع ان نسخر من هذا العنوان المضلل كما نشاء, باعتبار ان المفهوم الأنسب هو (مجلس الحرب أو الأمن) لكننا مضطرون للاعتراف بحكمة الاجراء ذاته, فالتخصص من ناحية والتنسيق من ناحية أخرى, معلمان بارزان لهذا التصرف, وهما أمران شديدا اللزوم للمفاوض الجاد الذي يتوخى رعاية مصالحه العليا بكل حرص. وإذا أضفنا ما يقال عن ردف هذا المجلس بمجموعة مساندة من الخبراء القانونيين وجهاز الاستخبارات العامة, فانه لا مجال أمامنا غير الاعجاب بهذا الترتيب التفاوضي, حتى وان كان مصدره اسرائيل. وبالتوازي مع هذه الملاحظة, تتفجر في الوجدان نوازع الأسى من حال المفاوضين العرب, فالأصل ان هناك ثلاثة مستويات محتملة وممكنة من التنسيق العربي: القمة العربية الشاملة وبين دول الطوق (سابقا) الخمسة, وبين القوى التي ما زالت في طور الاشتباك التفاوضي (سوريا ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية) ولا يخفى ان أياً من هذه المستويات غائب تماما, والأمل ضعيف في حضوره. وبنظرة عامة مجردة, يبدو الاسرائيليون منهمكون في تصفيف أوضاعهم الداخلية وأوراقهم التفاوضية, بل ويظهر باراك بالتحديد كمن يخصص عينا ويداً للخروج بحكومة اجماع وطني تصالح ما بين التيارات الداخلية وترمم ما أفسدته الحملة الانتخابية الأخيرة, فيما يضع عينه ويده الأخريين على مستقبل عملية التفاوض مع العرب. هذا في حين يمضي العرب في سيرتهم التقليدية, حيث الحديث المكرور حول كيفية التعامل مع معضلة التنسيق والتلاوم المتبادل بخصوص التاريخ المخجل لهذا التنسيق, منذ بداية التسعينات. والمدهش أكثر, هذا الانتظار العربي الممزوج بالحيرة واللاارادة, بذريعة ان الجانب الاسرائيلي لم يتهيأ بعد لاستئناف عملية التسوية في كنف التغير الحكومي العتيد, ففي تقديرنا ان هذ الجانب, أبدي بالقول والفعل نواياه تجاه الجولة المقبلة من التفاوض, بل قد نذهب إلى انه استهل الحركات الأولى من هذه الجولة, ومن آيات ذلك, لاءات باراك الشهيرة, التي تحدد ثوابت السياسة الاسرائيلية, ورغبته في توسيع الائتلاف الحكومي التي تعني التقيد بهذه الثوابت ومواجهة العرب بفريق يعبر بالفعل عن (اسرائيل الواحدة) , وتكوين الطواقم التفاوضية المذكورة أعلاه, الذي يشي بصدارة المؤسسة العسكرية ومفهوم الزمن في معمعة التفاوض, وليس آخر هذه الآيات, تلك المحاولة المبكرة لممارسة فكرة التلاعب بمسارات التفاوض, عبر التلميح بأولوية المسارين السوري واللبناني. لقد بدأت حكومة باراك عملية التفاوض, وحددت خطوطها العريضة, وهي إذ تقوم بذلك, فانها تبادر بتعيين سقف المفاوضات, فيما يُعزي المفاوضون العرب أنفسهم بأنهم في انتظار الطرف الاسرائيلي. والواقع ان هذا الانتظار أقرب إلى التعبير عن العجز, فالوقت الممتد منذ قلب الاسرائيليون المائدة وغادروها بحجة التغير الحكومي, كان كافيا وزيادة كي ينظر العرب بدورهم في أحوالهم وبيتهم من الداخل, غير ان طارئا ايجابيا لم يحدث على أي من مستويات التنسيق المفترضة. ومع ذلك ثمة مبرر للتساؤل عما إذا كان الوقت قد فات على فرصة احياء التنسيق العربي على أعلى مستوى؟ والاجابة حتى الآن بالنفي, هناك فرصة متاحة بالفعل في هذا الصدد, هناك حديث يتلصص على استحياء حول قمة عربية محتملة الالتئام, ولا ندري لم يدور هذا الحديث والدعوة المقترنة به على نار هادئة؟ ولماذا تغيب قوة الدفع اللازمة لانعقاد القمة ونقلها من دائرة القول إلى حيز الفعل؟ وإذا تصورنا ان فكرة التنسيق على مستوى القمة, انما تطرح من باب التلويح, فلا أقل من العمل في اطار ما هو ممكن, وهو تشكيل لجان تنسيق تفاوضية, حدها الأقصى مشاركة ما كان يسمى بدول الطوق, وحدها الأدنى مشاركة القوى التي مازالت منغمسة في المفاوضات ونهج التسوية. نفهم أن لأطراف عربية تحفظات على السلوك التفاوضي لأطراف عربية أخرى, بيد ان لدى الجميع ما يمكنهم التوافق عليه بل وتوجد قضايا معينة يبدو من المستحيل على طرف واحد التعامل معها منفردا, دون ان يحتاج إلى تعاون الآخرين. كيف سيتأتى للمفاوض الفلسطيني ــ مثلا ــ تسوية قضية اللاجئين, بلا تفاهم مسبق مع الدول التي يقيم فيها هؤلاء منذ أكثر من خمسين عاماً؟ ان أكثر المتحفظين على مقولات المصالح العربية القومية, لا يسعه اغفال التنسيق بين القوى المفاوضة لاسرائيل, حتى من منطق مقتضيات المصالح القطرية لهذه القوى. اذ يكفي ان تخوض دول أو قوى, حتى ولو كانت غريبة عن بعضها البعض صراعا مع طرف واحد معتدٍ عليها جميعاً لأكثر من خمسين عاماً, ولا تجد ما يدعوها للتشاور والتنسيق في مواجهة هذا الطرف. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة