منذ حوالي سبع سنوات, تابعت وقائع ندوة هامة, عقدت بالقاهرة, وشارك فيها عدد كبير من المفكرين والكتّاب والأدباء العرب , احتفالاً بمئوية مجلة (الهلال) ــ أقدم الدوريات الثقافية العربية, وثاني اقدم الصحف العربية بعد (الاهرام) وصدمتني وقائع الندوة.. فقد ظل المنتدون ثلاثة ايام يجردون حصيلة قرن من التحديث والتنوير ــ كانت (الهلال) من أهم منابره ويحصون الارباح والخسائر, استعدادا لاستقبال القرن الحادي والعشرين, فاذا بالموازنة مختلة, فالخسائر مؤكدة, والأرباح وهمية, والأمة لا تستقبل القرن المقبل وهي مفلسة فحسب, بل وهي مدينة كذلك للبنك الدولي للتنوير! ولان الانفلات من الجهل مؤلم كالولادة ــ كما يقول (نجيب محفوظ) فقد صدمتني وقائع الندوة, لا لانها اخفت الحقيقة, بل لانها اكتشفتها, او بمعنى ادق اعترفت بها, فبعد قرن من التحديث والتنوير فضلا عن نصف قرن اخر سبق صدور (الهلال) يستقبل العرب القرن الحادي والعشرين وايديهم خالية من اي مشعل ينير لهم الطريق, فهم لا يعرفون ماذا يريدون منه لانفسهم, او للعالم, وليس في واقعهم ما يسمح لهم ان يعيشوا على ظهر كوكب الارض خلاله, بحيث لم يستبعد بعض المشاركين في الندوة, ان يكتشف العالم في القرن المقبل, ان العرب عبء على مسيرته, فيستصدر من مجلس الامن قرارا يقضي بإبادتهم كالحشرات, استنادا الى الباب السابع من ميثاق الامم المتحدة. خلاصة الموقف اليوم, طبقا لحسابات الندوة, ان عصر التنوير العربي, قد سار في منحنى صاعد, ثم تحول الى منحنى هابط بدأنا بالتنوير وانتهينا الى زبالة مصباح يوشك ان ينطفئ. في البدء كان (الطهطاوي) و(الافغاني) و(امين الريحاني) و(الكواكبي) و(سيد درويش) , فكيف كانت محطة الوصول هي (زعيط) و(معيط) و(نطاط الحيط) , وهو الاسم الحركي لرائد الاغنية الشبابية (حميد الشاعري) ؟! ولأنني انتمي الى جيل تفتح وعيه على هتاف (يسقط الاستعمار) وقضى الشطر الاعظم من عمره يردد الهتاف, ويتغنى به اناشيد ومقالات ومظاهرات حماسية, فقد صدمني ان كشف الحساب الذي توصلت اليه الندوة, قد انتهى كما قال الدكتور اسماعيل صبري عبدالله الى ان القسم الاكبر من اسس النهضة العربية وقواعدها, قد تم ارساؤه في عصر ما قبل الاستقلال اي في عصر الاحتلال, وان ما هدم من هذه الاسس في عهد الاستقلال, لم يستبدل بغيره, واضاف الدكتور (فؤاد زكريا) في بحثه ان العلاقة بين العرب والغرب, قامت على التباس لم يميز بين اوروبا المستعمرة, واوروبا صانعة الحضارة, فكانت النتيجة ان الرفض الواجب للاولى, قد امتد الى رفض الثانية, وانقاد العرب خلف كل من يهتف (يسقط الاستعمار) , سواء كان مخلصا او غير مخلص, واستسلموا لكل ما يفعله بهم.. المأساة ان الاستخلاص صحيح في جملته, ورغم بعض التحفظات, ولولا الملامة لخرجت من الندوة هاتفا (يحيا الاستعمار) . ولكن خجلي من التاريخ اقعدني, لكي استمع الى الغربان التي حطت على كتفي تتساءل: .. لماذا انتهى اكبر مشروعين للنهضة العربية, في عهد (محمد علي) (1805 ــ 1849), و(عبدالناصر) (1952 ــ 1970) الى تلك النهاية المأساوية: هزيمة عسكرية مروعة, وخلفاء لم يبذلوا مجهودا يذكر في هدم كل ما تحقق من المشروعين, لان احدا لم يقاومهم بشكل جدي, بل ايدتهم الاغلبية العظمى من الأمة, بالصمت اولا, وكأن الامر لا يهمها, ثم بالفعل ثانيا وكأن مشروع النهضة لم يكن لمصلحتها؟! .. ولماذا ينتهي حكم الدولة القومية, التي انتزعت الاقطار العربية ــ كلاً على حدة من التبعية للاستعمار, ووحدتها تحت ظل سلطة مركزية واحدة, بتلك الظاهرة الجزائرية الغريبة, فاذا بأول انتخابات حرة, منزهة عن التدخل الاداري, تأتي بالتيارات التي تزدري القومية, ولا ترى ما يدعو للانزعاج في عودة دول الطوائف, بحيث بات علينا ان نسلم بمنطقية اقامة دولة طائفية في جنوب السودان, وان نخضع لقدر تقسيم العراق بين طوائفه, او ان نؤيد الانقلاب على الديمقراطية؟!.. .. لماذا بدأت حركة التنوير الاسلامية, برحابة صدر (جمال الدين الافغاني) واتساع افقه, وانتهت بتزمت (محمد عبدالسلام فرج) الذي اندفع يدعونا الى تحطيم ما هو قائم باعتباره كفرا بواحاً, دون ان نعرف او يعرف ما هي ملامح البناء الذي سيقيمه على تلك الانقاض, ومع ذلك فقد وجد مؤيدين ومتحمسين على امتداد الامة؟! .. وكيف بدأت حركة النهضة العربية, بدعوة قاسم امين الى تحرير المرأة, وانتهت بتلك الدعوة جهيرة الصوت, لعودة المرأة لتكون رهينة المحبسين: المنزل والرجل؟! الاستعمار بالطبع مسؤول, حتى لو كان قد احسن عن غير قصد حين شكل بنفوذه تحديا دفعنا للنهوض, وخلق ذلك التيار من التنويريين العرب, الذين اخذوا يدقون الاجراس, يذكرون الامة, بان التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي, هو المبرر المعلن لوجود قوات الاحتلال على اراضينا, داعين الى الاخذ باسباب النهضة, بالانتقال من الاقتصاد الزراعي والرعوي الى الاقتصاد الصناعي, ونشر العلم والتعليم واصلاح الادارة وتحديث النظام السياسي ليكون نظاما ديمقراطيا, واشاعة العقلية العلمية والصناعية في الفكر, ليتخلق من ذلك كل منظومة من القيم الاخلاقية, الفردية والاجتماعية, تخلق اجيالا تتبنى رؤى النهضة, وتعمل على مواصلتها في منحنى يتواصل صعوده, بدلا من ان يصعد قليلا ثم يتحول الى منحنى هابط! ــ وهو الاستعمار ــ مسؤول كذلك عن الظروف التى ادت الى ذلك الالتباس في فهمنا للغرب, فدفعت بعضنا الى الانكفاء على النفس, والتقوقع على الذات, تطبيقا للمثل الذي يقول لا شيء يأتي من الغرب, يسر القلب, ودفعت اخرين الى محاولة تعويض فجوة التخلف, بالقفز على الواقع, وهو اتجاه صحيح في جوهره, ولكن التحرش الاستعماري المتواصل, حتى بعد تحقيق الاستقلال, جعله يتم بالاسلوب الخطأ, فكانت النتيجة نهضة عرجاء, بنت مصانع وجيوشاً وانشأت مدارس ومطارات, لكنها لم تبن بشرا, ولم تؤسس منظومة جديدة من القيم الفردية والاجتماعية, ترتفع ببناء النهضة, وتحول دون نزول منحناها الصاعد. واذا كان صحيحا ان الاستعمار مسؤول عن كل شيء فمن الصحيح كذلك اننا تعودنا ان نجعل منه مشجبا لاخطائنا, نعلق عليه كل خطايانا, لنخرج من كل نكسة ابرياء تماما, كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب, مع ان الحقيقة واضحة, وفاضحة, قالها الشيخ (محمد عبده) قبل حوالي مائة عام, حين قيم حكم (محمد علي) قائلا بأنه كان زارعا ماهرا وصانعا مقتدرا ومحاربا شجاعا, ولكنه قتل روح الامة, فلم يترك بها رأسا تحمل كلمة انا, الا ونفاها عن بدنها, وقالها (عبدالناصر) في واحدة من عباراته المبكرة, التي تأخذ دلالة مختلفة, في ضوء ما جرى بعد ذلك, حين جزم بان بناء المصانع سهل وانشاء الطرق ممكن, ولكن بناء البشر, هو الصعب العسير!.. تلك كانت ومازالت المشكلة, مهما كانت مسؤولية الاستعمار, فنحن مسؤولون, فلا نهضة دون بشر ناهضين, تنهض بهم وينهضون بها, ولا تنوير ولا تحديث بلا تنويريين وتحديثيين, ولا شيء من هذا وذلك يمكن ان يصمد للزمن, ويبقى بعد فناء بناته, بلا حرية تثير حماس الكتل العظمى من الناس للابقاء عليه, والحفاظ على صعود منحناه.. ولا يجوز لنا ان ندهش لاننا اكتشفنا بعد جرد حساب قرن من التحديث والتنوير, اننا نستقبل القرن المقبل ونحن مفلسون, بل ومدينون للبنك الدولي للتنوير بوجودنا ذاته, فاذا كان مشروع النهضة المجهض قد بدأ في ظل حكم الفرد المتسلط, والاوليجاركية التي لا تترك رأسا تحمل كلمة انا الا ونفتها عن بدنها, والتي انشغلت ببناء المصانع عن بناء البشر, فليس من حقنا ان ندهش لان الدعوة الى دولة معصومة, هي التيار المرشح ديمقراطيا لوراثة الحاضر والمستقبل, فقد بدأت النهضة العربية في ظل الدولة المعصومة, وماتزال تسير في الطريق نفسه, بحيث يبدو ان فرص الاختيار امام الامة قد ضاقت بحيث لم يعد امامنا الا الاختيار بين فاشية دينية او فاشية مدنية! المأساة ان النخبة المثقفة, المؤهلة عادة, للتبشير بتيار التنوير والتحديث, ثم قيادته, تكاد تكرر اليوم الخطأ الذي وقع فيه جيل المنورين الذي كان قائما في بدايات عهد الاستقلال الجزئي, ثم خلال عهد الدول القومية المستقلة التي تأسست في اعقاب الحرب العالمية الثانية, فقد اشتجرت بينها الخلافات, وتفرقت بها السبل, وفقدت قدرتها على استبصار خطر الفرقة, وعلى ادراك ان المهم الان, هو ان تتوحد حول الاساسي والعاجل والمفتقد من اسس النهضة, لتستطيع ان تؤثر في توجيه الامة نحو الاختيار الوحيد الصحيح. ليس المهم الان ان نختلف حول الاختيار بين المشروع الاسلامي او المشروع الاشتراكي او المشروع القومي, ولكن المهم ان نتفق حول هذه الحقيقة البسيطة, التي نخرج بها من تجربة قرن من النهضة المجهضة, وخلاصتها لا نهضة بلا حرية, ولا تنوير بلا ديمقراطية, ولا حياة لامة تقطع فيها كل رأس تحمل كلمة انا! ويا ايها النهضويون العرب: تحسسوا رؤوسكم يرحمكم الله.