كنا قد نسينا امر هذا التحالف الهزيل الذي اعلن قبل سنوات في كوبنهاجن تحت اسم (التحالف الدولي للسلام) ليكون صوت الداعين للتطبيع مع اسرائيل ! كناقد نسينا امر هذا التحالف الهزيل الذي اقام على اساس دعوة اسرائيلية لاختراق المناطق العربية لاسرائيل تحت زعم اقامة شرق اوسط جديد يقع تحت الهيمنة الصهيونية.. اقتصاديا وعسكريا وسياسيا! كنا قد نسينا امر هذا التحالف الهزيل بعد ان قال المثقفون المصريون والعرب كلمتهم فيه, وبعد ان توقفت كل جهود التسوية السياسية, وانتهى (سلام الشجعان) الى فرض الامر الواقع الاسرائيلي ورفض اي التزام بشروط السلام العادل.. بينما اهل تحالف كوبنهاجن يلتزمون الصمت ويتوارون عن الانظار ويكتفون بالمذاكرة فيما يسمونه (ثقافة السلام) التي لاتعدو ان تكون في مثل هذه الظروف.. ثقافة الاستسلام للامر الواقع الاسرائيلي! كناقد نسينا امر هذا التحالف الهزيل حتى جاء الاعلان عن مؤتمر كبير لحلفاء كوبنهاجن في القاهرة يشارك فيه المتحالفون من اهل التطبيع المصريون والفلسطينيون والاردنيون والاسرائيليون, ويأتي المؤتمر الذي ينعقد هذا الاسبوع مع تولي الجنرال باراك مسؤولياته كرئيس لوزراء اسرائيل ليشيع الوهم بان شيئا حقيقيا قد تغير, وليحاول استغلال هذا التغيير في استئناف محاولة اختراق جبهة المثقفين المصريين والعرب عن طريق التطبيع المرفوض من كل الامة. ولسنا في حاجة لان نقول ان شيئا لم يتغير في اسرائيل, وان جوهر السياسة تجاه العرب مازال كما هو وان جوهر اللاءات الشهيرة التي اطلقها المسالم باراك مع فوزه في الانتخابات تمحو الفروق بينه وبين سله نتانياهو الا في التفاصيل.. فما معنى اي حديث عن السلام الحقيقي في ضوء الـ (لا) لاي حديث عن القدس, ولوقف الاستيطان, ولقيام الدولة الفلسطينية, ولعودة اللاجئين الفلسطينيين, ولعودة اسرائيل لحدود 1967؟ ان شيئا لم يتغير حتى الآن في سياسة اسرائيل, ومع ذلك تزداد الضغوط على العرب ليقدموا المزيد من التنازلات المجانية, ويدعو البعض لاستئناف المسيرة الخائبة للتطبيع والهرولة, بل وتبدأ المطالبة ببعض الخطوات (الايجابية!!) تجاه باراك لتشجيعه, حتى تحدث البعض عن زيارة الرئيس مبارك لاسرائيل, وهو ما رفضه مبارك معلنا ان هذا قرار تملكه الامة بأكملها وليس قراره وحده. وهكذا خابت محاولات الابتزاز من جانب اللوبي الصهيوني في امريكا, وخابت معه محاولات تغيير سياسة مصر المساندة للحق العربي, المطالبة بالسلام الشامل الرافضة لمحاولات فرض سلام الامر الواقع الاسرائيلي. لقد رفضنا تحالف كوبنهاجن من البداية, وسنظل نرفض كل الضغوط ومحاولات الابتزاز حتى النهاية, وسيظل قرار الامة ساريا: لاتطبيع حتى تعود الارض والحقوق المغتصبة, ويسود سلام العدل, وتنتهي سياسة فرض الامر الواقع وغطرسة القوة والرهان على ان العرب امة بلا مستقبل, او ان مستقبلهم سيقرره الجنرالات والحاخامات في تل ابيب! سيظل قرار الامة ساريا رغم كل محاولات الاختراق, ولعل ما حدث في انتخابات نقابة الصحفيين المصريين قبل ايام ــ فيما يختص بقضية التطبيع ــ يعطينا المثال على صلابة موقف المثقفين المصريين في هذه القضية المصيرية. قبل الانتخابات بقليل انفجرت قضية التطبيع في الوسط الصحفي, بعد الكشف عن مشاركة باحثين من (مركز ديان) الاسرائيلي في ندوات سرية نظمها مركز (الاهرام) للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة تفجرت الازمة اولا داخل المركز نفسه حين اعلنت غالبية الباحثين به غضبتها لما حدث, ثم انتقلت الازمة الى جموع الصحفيين والمثقفين بعد الكتابة عنها. واعادت الازمة الى الاذهان قضية تحالف كوبنهاجن.. مدير المركز كان ــ ومازال ــ احد اقطاب هذا التحالف, وكان ــ ومازال ــ بسبب هذا التحالف جزءا من مشكلة مواجهة التطبيع في نقابة الصحفيين التي تتخذ موقفا حاسما رافضا لكل اشكال التطبيع مع العدو الاسرائيلي, والتي سبق لها, وقعت عقوبة لفت النظر والانذار بحق مدير المركز والمرحوم لطفي الخولي بسبب مشاركتهما في هذا التحالف المشبوه (تحالف كوبنهاجن) . ومع بداية الحملة الانتخابية بدأ فريق التطبيع حملة شرسة لابتزاز الصحفيين وتعديل موقفهم من هذه القضية المصيرية, وتوالت الاتهامات على الرافضين للتطبيع ابتداء من انهم طبول جوفاء ولا ينتمون للعصر, وانتهاء باتهاماتهم بالشوفينية والماكارثية, مرورا بالكليشيهات المحفوظة عن انهم شموليون, غوغائيون, غير مؤمنين بالديقراطية وعليهم ان يمارسوا فنون التطبيع جيدا ليتعلموا في واحة الديمقراطية الاسرائيلية وارفة الظلال عظيمة الثمار! ومع حملة الابتزاز وسيل الاتهامات تحدد الهدف البداية بأنه اسقاط كل قرارات نقابة الصحفيين ضد التطبيع باعتبارها قرارات سياسية والسياسة من عمل الشيطان ولا ينبغي ان يكون لها اي علاقة بالعمل النقابي الذي ينبغي ان يقتصر على تنظيم الرحلات وتقديم الخدمات التي لاتصل في الغالب لمستحقيها! ومع تهافت هذا الطرح الذي يريد ان يتعامل مع نقابة الصحفيين على انها جهة خيرية او ناد رياضي, ويتجاهل انها نقابة رأي قضيتها الاساسية هي الديمقراطية والحريات وهمومها الرئيسية جزء من هموم الوطن.. ادرك اهل التطبيع ان حديثهم المغلوط عن عدم تسييس العمل في نقابة الصحفيين لن يخدع احدا! ومع ارتفاع حرارة المعركة الانتخابية بدأ اهل التطبيع يتواضعون في اهدافهم, وبدلا من المطالبة بالغاء كل القرارات الخاصة بالتطبيع التي اتخذتها قبل ذلك الجمعيات العمومية لنقابة الصحفيين, بدأ الحديث عن الحاجة الى (تعديل) هذه القرارات بهدف تفريغها من محتواها وفتح الثغرات لاتمام التطبيع, ولم تفلح الخدعة, واضطر اصحابها الى التراجع, ثم جاءت نتائج الانتخابات حاسمة قاطعة.. فاغلبية المجلس الجديد للنقابة من اصحاب المواقف السياسية الواضحة, ومن الرافضين بحسم لاي تهاون في قضية التطبيع مع العدو الصهيوني, ومن المتمسكين بقرارات الجمعية العمومية في هذا الشأن, ومن الذين سبق اتهامهم في حملة الابتزاز التطبيعية بأنهم قوميون و... و..! ولم يأت هؤلاء بالصدفة, بل بانتخابات شاقة, وبقرار حاسم من جموع الصحفيين المصريين يرفض التطبيع مع العدو الصهيوني بكل اشكاله, ويرفض كل محاولات الابتزاز من حلفاء كوبنهاجن, ويضع حدا لمحاولات اختراق المؤسسات الصحفية المصرية ولو ارتدت قمصان البحث (العلمي) عن السلام الغائب والذي لن يعود الا اذا عادت كل الحقوق العربية وانتهت اسرائيل ككيان عنصري نازي وعادت الاعلام العربية لترفرف على القدس الاسيرة. ويستطيع اهل التطبيع من تحالف كوبنهاجن ان يعقدوا مؤتمرا في حراسة الشرطة وبتمويل مشبوه, ولكن اين يذهبون من حساب الامة؟!