كثيرا ما نسمع مصطلحات من قبيل (ثورة التكنولوجيا) و(ثورة المعلومات) و(الثورة في علوم الاتصال) ونحو ذلك وهي مصطلحات ظهرت في ظل هذا الايقاع المتسارع والمتطور للحياة في العصر الراهن . سوف اتجرأ في هذه السطور وادعو الى (ثورة) في مجال الوعظ الديني, لا في موضوعه ومحتواه, وانما في اساليبه وطرق عرضه, واستطيع الزعم كذلك, اننا بحاجة الى مراجعة للموضوعات والقضايا التي يتطرق اليها الواعظون. ما يلاحظه المرء في هذا الشأن ان الوعظ الديني اصبح, وبشكل رئيسي حاضرا في المناسبات الدينية فقط. حيث تبدأ فعالياته بالاحتفال ببداية كل عام هجري جديد, ثم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ثم الاسراء والمعراج, وذكرى غزوة بدر في شهر رمضان الى غير ذلك من المناسبات المختلفة التي يحفل بها كل عام هجري. وأصبحت هذه المناسبات بمثابة (مواسم) ينتظرها المشتغلون في مجال الوعظ الديني بفارغ الصبر لعرض بضاعتهم المكررة في أمثال تلك المناسبات. ليس عندي اعتراض على مبدأ التوقف عند تلك المناسبات الدينية وعرض مآثرها وخصائصها, والدروس والعبر المستفادة منها, وترسيخ مضامينها ومفاهيمها في أذهان العامة, لكن الذي يدعو للحزن والأسف ان غدت تلك المناسبات بموضوعاتها وأساليب عرضها أمورا مكررة تفتقد عناصر الجذب والتشويق بل والأسوأ من ذلك ان أصبحت تجارة يتكسب من خلالها أعداد كبيرة من أولئك الداخلين فيها. والنتيجة التي أوصلتنا اليها هذه الأزمة في الوعظ الديني التقليدي ان كسدت تجارته, ولقيت انصرافا مؤسفا من الجمهور الذي لم يجد في البضاعة المعروضة في شكلها ومحتواها ما يلفت انتباهه, ويمس وجدانه, ويتلمس حاجته وهمومه. حدث كل هذا للوعظ الديني رغم مكانته الخاصة في نفوس المسلمين لارتباطه بهويتهم الدينية وانتمائهم العقائدي. أحسب ان الوعظ الديني بهذا الاعتبار يستحق ان نوليه اهتماما خاصا لتشخيص أسباب أزمته والانطلاق به نحو آفاق التطوير بما يتفق مع ظروف الناس وأولوياتهم, وما تستدعيه الحياة المعاصرة بمتغيراتها ومستجداتها من تغيير في الوسائل والطرق التي يتم بها ايصال مادة الوعظ. الخطابة فن ومهارة العبث المشهود في مجال الوعظ الديني من حيث غالبية النوعية المشاركة فيه, أو موضوعاته, يلاحظه المرء بوضوح عندما يذهب الى المسجد لأداء صلاة الجمعة والاستماع الى خطبتها, فالسعيد من وُفق الى خطيب يستطيع اقناعه في مظهره ومحتوى خطبته وأسلوب حديثه, وغيره الذي يُبتلى بما يحفل به معظم مساجدنا في هذا اليوم المبارك من نقائض ما يوفق اليه السعيد. والمحزن والمؤسف في الوقت ذاته ان كثيرا من الناس, وبسبب الأزمة الحالية في الوعظ الديني, لا يحضرون الجمعة في المساجد الا بعد سماعهم الاقامة للصلاة, فهم يدخلونها متثاقلين ويخرجون منها متسارعين. فالخطيب الذي لا يعرف أهداف, خطبته, ولا يدري في أي موضوع هي, وتراه يتناول خمسة عشر موضوعا في خطبة واحدة, غير مرتب لمقدمتها ولا نتائجها, هذا الخطيب لايمكن أن يحقق أي نجاح في خطبته, وكذلك الذي يتناول (في قرية نائية عند رؤوس الجبال) موضوعا سياسيا يتعلق بالانتخابات الاسرائيلية وفوز حزب العمل وخسارة الليكود فيها, أو ذاك الذي يطعن في صحة استفتاء جرى في دولة بأمريكا اللاتينية, لم يسمع بها قط ذلك الجمهور, بالطبع, الحديث في الموضوعات السابقة ليس فيه دلالة على الثقافة السياسية لدى الخطيب, وانما هو من باب الإثارة ومخاطبة العواطف وسد خانة الوقت حتى فراغ الخطبة. ليس الخطيب كذلك من حفظ طائفة من النصوص, وكما من المعلومات, ولا الخطابة مجرد سرد لتلك النصوص والمحفوظات انما الخطيب الناجح من امتلك فنا في اختيار الموضوعات ومهارات في حسن عرضها, فحقق بذلك فوائد أهمها انه تطرق الى قضية أو مشكلة تهم مستمعيه, وقدم مقترحات وحلولا بشأنها والأهم من ذلك كله انه حقق قناعة لدى المستمع المتلقي بأن هناك علاقة تربطه بالواعظ أو الخطيب وما يطرحه. في مقال سابق ذكرت ان الخطابة أصبحت في هذا العصر فناً يتطلب مهارات عديدة, منها ما هو متعلق بتأهيل القائمين بها ومواصفات هؤلاء وبعضها متعلق باختيار الموضوع المناسب لجمهور معين, ومنها ما هو متعلق بالأسلوب المتبع في عرض ذلك الموضوع. عدوى التقليد ناحية أخرى لها صلة بموضوعنا المتقدم هي ان (عدوى) ان التقليدية في الوعظ الديني وأزمته انتقلا الى وسائل الاعلام, خاصة في الاذاعة والتلفزيون, فالحديث المباشر هو سيد الموقف وشكل المحاضرة هو الاسلوب السائد غالبا ما يكون ذلك من ورقة مكتوبة امام الواعظ او مقدم البرنامج, والقضايا والموضوعات هي نفسها, وابطال الوعظ هم هم لا يتغيرون, وربما كان الشيء الوحيد المتغير في هذا (الهم) كله هو المكان فقط. الاستوديو بدلا من منبر المسجد. والغريب ان ذلك يحدث ونحن في اواخر التسعينات من القرن العشرين دون ان يكون هناك فرق مع ما كان يحدث في ستينات هذا القرن, والمحزن كذلك ان ذلك يحدث في وقت نشهد فيه تطويرا شاملا في كافة البرامج الاخرى التي تقدم من خلال التلفزيون الا ـ بالطبع ـ البرامج الدينية التي لم تنل اهتماما وعناية لائقين بهدف تحسينها في الشكل والمضمون. واتصور انه ليس في تحقيق هذا الامر استحالة او صعوبة كبرى, فيمكن ببذل بعض الجهود وتوفير بعض الخبرات والامكانات التخلي التدريجي عن ذلك الاسلوب التقليدي نحو اختيار اكثر ملاءمة للموضوعات, وتغيير اسلوب ادارة الحوار وكيفية عرض القضايا بطرق فنية جذابة, ومراعاة الطول الزمني الذي يستغرقه البرنامج وحسن اختيار المشاركين فيه. من أين يبدأ الاصلاح؟ اعني بهذا الاصلاح من مختلف جوانبه, سواء أكان ذلك في المسجد ام في وسائل الاعلام, وكذلك في شكله وجوهره, وفي ممارسيه والمشتغلين به والمسؤولين عنه. في رأيي المتواضع اتصور انه يمكن اصلاح هذا الخلل المشهود في مجال الوعظ من خلال جهتين مسؤولتين مسؤولية مباشرة عن اعداد الوعاظ وتأهيلهم ومتابعتهم, هما الكليات الشرعية ووزارات الاوقاف والشؤون الاسلامية ودوائرها بالاضافة الى بعض المؤسسات الاخرى في الدولة, والتي تسهم بشكل غير مباشر في نجاح مهمة الوعاظ والخطباء او اخفاقها. المدارس والمعاهد والكليات الشرعية تتحمل المسؤولية الاولى والكبرى في اعداد هؤلاء المشتغلين في ميدان الوعظ الديني والخطابة والافتاء والدعوة, وتبدأ الخطوة الاولى نحو الاصلاح باعادة النظر في البرامج والخطط الدراسية والمناهج المتبعة في تلك الكليات. اهداف البرنامج الدراسي, ومواصفات خريج الكليات الشرعية, ومتطلبات العمل في مجال الوعظ في هذا العصر يجب ان تشكل الاساس لتصميم تلك البرامج التخصصية التي تهدف الى تخريج الواعظ والخطيب. يجب في هذا السياق تجنب التكرار في الموضوعات, والحشو في المناهج, والتخلي عن التقليدية في اساليب التدريس, والاستغراق الطويل في دراسة موضوعات لا تمثل اهمية بالنسبة لطالب العلم في هذه المرحلة. يستشهد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله على الخلل الموجود في المناهج الدراسية في العلوم الشرعية كما يدرس في الجامعات العربية والاسلامية بباب الغسل الذي تستغرق دراسته شهرا كاملا! وذلك بسبب الدخول في تفاصيل لا قيمة لها, والتوقف عند افتراضات لا وجود لها. فالدين الذي جعله الله سبحانه وتعالى يسرا تحول بفعل ذلك الى تعقيد لا لزوم له, والى اضاعة جهد ووقت تستحقهما اولويات اخرى, وما أكثرها. واذا تمت مراجعة مناهج كليات الشريعة وتطوير طرق التدريس بها, وجرى اعداد الخريج ليكون مؤهلا للالتحاق بمجال الوعظ الديني وفقا للرؤية الحضارية الاسلامية الصحيحة, يأتي دور الهيئة المعنية بتوظيف الخريجين في تلك الكليات لتهيئة الاجواء المناسبة والامكانات اللازمة لنجاح اولئك العاملين في مهامهم. كما ان عليها (وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية ودوائرها) تطوير قدرات الوعاظ والخطباء الحاليين, وذلك من خلال انتظامهم بدورات وبرامج ذات اهداف محددة وواضحة. لا يمكن بأي حال من الاحوال فصل الكادر المالي الخاص بالخطباء والوعاظ والأئمة عن مسألة التطوير التي نتحدث عنها. وهنا يأتي دور الدولة في رصد ميزانيات تليق بأهمية الواعظ والخطيب ومهامهما في المجتمع. لا سيما اذا حرصنا على كفاءات متميزة تسهم في احداث التغيير المنشود في هذا المجال الهام. بنفس الدرجة من الاهمية يجب ان تسهم المؤسسات الثقافية والاعلامية والتربوية في تقديم الصورة السامية, لعالم الدين او الواعظ, او أي مشتغل في مجال له صلة بهذا الشأن.