قد يبدو من قبيل الجهد الضائع اقدام المرء على خوض انتخابات غير مضمونة النجاح سيان في ذلك الانتخابات البلدية او النقابية او البرلمانية ... اذ ما الذي يدفع ايا منا لبذل العرق والوقت والمال في ميدان لا يضمن نتيجته سلفا؟ الاجابة في منتهى البساطة: لا شيء مضمون في هذه الدنيا وكل ما يخوضه المرء لا يخلون من المخاطرة بهذا القدر او ذاك... لكن التهرب من المعارك غير المضمونة في انتظار المعارك المضمونة يعني ان المرء لن يخوض معارك في حياته... على ان من يخوض معركة انتخابية يعرف سلفا انها غير صالحة... فهذا مناضل استثنائي في جسارته... راديكالي في خطه السياسي... طويل النفس... في هذا الصدد ثمة دروس لعل من المفيد رصدها. الدرس الاول : غني عن القول بان الترشيح حق لكل شخص فضلا عن كل عضو نقابة لذا عليه الا يهمله او يفرط فيه ذلك ان استخدامه هذا الحق في حد ذاته تكريس لقواعد الديمقراطية. الدرس الثاني : اذا ما تراجع أصحاب الرأي الآخر عن ترشيح انفسهم خشية الاخفاق فانهم يوفرون بموقفهم الاستنكافي هذا فرصة ذهبية للمتنفذين كي تمر الانتخابات بدون معركة قد تضطرهم الى استخدام سلاح التزوير وهنا يكسب المستفزون نقطة لحسابهم. الدرس الثالث: في المعركة الانتخابية ثمة سانحة لا تكرر كثيرا تستطيع الكتلة السياسية تثميرها في مجال طرح برنامجها السياسي على أوسع نطاق جماهيري مستفيدة من الاهتمام الشعبي بكل ما يطرح خلال المعركة الانتخابية. الدرس الرابع: ان مثل هذه المواجهة تشعر المرشح المضمون بخطر التحدي فيزداد اهتمامه بأمر برنامجه الانتخابي ويقدم المزيد من الوعود بمكاسب مطلبية لاعضاء نقابته او بمكاسب محلية لابناء دائرته الانتخابية وفي هذا مكسب مؤكد لابناء الدائرة الانتخابية وابتزاز مشروع للصالح العام. الدرس الخامس: لعل من نافلة القول ان خوض اي انتخابات يحقق مكاسب غير قليلة للكتلة السياسية ابتداء من اطلالها عبر آلية العملية الانتخابية الى توفير الفرص لتلك الكتلة كي تؤسس لتواصل مستديم مع الناخبين... ناهيك عن التدريب على الكفاح الانتخابي بعد ان يكون اعضاء الكتلة قد اجادوا الكفاح الفكري والكفاح السياسي. الدرس السادس: وفي حال نجاح المرشح فان مهارات الكفاح النقابي او البرلماني تصبح في متناول يد النائب. الدرس السابع: عدا ما يوفره هذا الموقع للمرشح الناجح من منبر اعلامي لتبني مطالب الناخبين في الدائرة الانتخابية او النقابة على حد سواء. الدرس الثامن: فضلا عن ان المعركة الانتخابية فرصة ذهبية لانتقاء الافراد وتجنيدهم للكتلة السياسية... اي ان المعركة الانتخابية تغدو هنا مصدرا للدماء الجديدة التي تعزز بها الكتلة صفوفها وتجدد شبابها. عن ان تلك المعركة الانتخابية فرصة لإقامة تحالفات انتخابية مؤقتة قد تتحول الى تحالفات سياسية اوسع وابعد مدى. الى ذلك قد تكتشف الكتلة السياسية خلال المعركة الانتخابية حلفاء منتظرين ظلت الكتلة غافلة عنهم. الدرس التاسع: حذار من ان يصيبنا الاخفاق بعقد نفسية نجفل بعدها من الاقتراب الى اي انتخابات كانت بل علينا التجمل بما سبق للمفكر الاسلامي المستنير جمال الدين الافغاني ان نصحنا به حين قال: تقبل النصر وكأنه شيء ألفته وتقبل الهزيمة وكأنها شيء تحبه... القائد الوطني الديمقراطي ذائع الصيت صن بات صن وصف وصوله الى السلطة في الصين ثم اخفاقه في الاحتفاظ بها بأنه مجرد فشلنا الثالث عشر. غني عن القول بان الفشل يتضمن دروسا مستفادة تفوق بمراحل تلك الدروس التي يتضمنها النجاح. ناهيك عن ان الانتخابات شأن كفاحي طويل الامد يجب الا نقع اسرى النزف وضيق النفس خلاله وربما من نجح في هذه الدورة يخفق في الدورة التالية بسبب تحول ميزان القوى الانتخابية بعد حنث المرشح الناجح بوعوده وانكشاف امره للناخبين او بعد انزياح الدعم النافذ عنه. الدرس العاشر: قد تستصغر بعض الفرق السياسية أو الفكرية شأن المعارك الانتخابية والنقابات والبرلمان حيث لا يرضون بالثورة بديلا غير مدركين الاهمية القصوى للتدريب في الانتخابات والنقابات والبرلمان فضلا عن الاهمية الاستثنائية للنجاحات الصغيرة التي لتركها مفعول السحر في التقدم والتغيير الجذري الذي لن يأتي بضربة واحدة.