هل هو نفسه أحمد فؤاد نجم الذي مشينا وراءه في يوم من الأيام منومين بسحر شجاعته.. وجرأة قصائده.. كيف انقلب من شاعر يحطم اصنام السياسة الى شاعر يغني على ربابة .. من الذي دفع قدمه لتفلت عن حافة شرفة هذا الوطن.. دون ان يجد شرفة بديلة.. ليظل معلقا بين السماء والارض.. ما الذي اغراه يتكلم بلسان غير لسانه.. ويأكل طعاما غير طعامه.. ويسامر اصحابا غير أصحابه.. وينسى انه كان يقتسم مع البسطاء افراحهم واحزانهم.. ليقبل تكريما في (ملهى ليلي) بمناسبة عيد ميلاده السبعين.. وليبدو بجلبابه الشهير في هذا المكان الغريب وكأنه في حفلة تنكرية.. او في (جلابية بارتي) .. فلا المكان مكانه.. ولا الجمهور يناسبه.. ولا أشعاره يمكن ان تولد هناك. ان اشعاره كانت تعيش على الفول والعدس لا على الفواجراة والسيمون فيميه.. اشعاره كانت تتحدث عن عامة الناس لا عن البورصة وشركات الصرافة.. ورغم كل هذه التساؤلات فانني لم اضع علامة استفهام واحدة.. فنحن في زمن لا يعرف علامات التعجب والاستفهام.. ومن كثرة الدهشة لم نعد في دهشة. ان احمد فؤاد نجم ليس اي شاعر حتى نتركه يقبل ما لا يجب ان يقبل.. او نتركه يفعل بنفسه ما لا يجوز ان يفعل.. فنحن نمتلكه اكثر مما يمتلك هو نفسه.. وهو جزء منا تكون في وقت كنا في حاجة اليه.. هو جزء من تاريخ هذا الوطن.. ومن ثم ليس من حقه ان يتصرف دون مشورتنا.. ودون ان يضعنا في حساباته. لقد خرج مثل كل الاشياء الجميلة معمدا بالنار والحديد المنصهر.. جاء في الوقت المناسب ليكنس مستوطنات العنكبوت التي نشرت خيوطها في هزيمة يونيو 1967.. جاء ليغرز مسمارا حادا.. مدببا في عقولنا التي كانت في حالة استسلام واستكانة.. وبدا في ذلك الوقت مثل راهب بوذي ثائر قرر ان يحرق نفسه في الطريق العام لينبه الناس بأنهم في حاجة للتطهر.. والاستشهاد على رمال سيناء.. لا على مكاتب النفاق العام.. في هذا الوقت خرج من رحم الصبر والمعاناة شاعر اسمه احمد فؤاد نجم كانت مهمته تكدير السكوت العام.. او اشعال الحرائق في الوجدان العام. كان جيلنا على عتبة الحياة الجامعية حين جاء الزلزال.. زلزال الهزيمة الذي كان مثل دبوس (فرقع) بالونة الذات التي كانت منتفخة على اخرها.. فكان ان رحنا مثل رفاق الامام الحسين نجلد انفسنا وكأننا نحن السبب فيما جرى.. ولان ما جرى كان اكبر من ان يفسره احد.. او يتجاوزه احد فقد كنا في حاجة الى (قشة) نتعلق بها.. لعلنا لا نغرق.. او لا نذهب ضحية الاكتئاب العام.. خاصة وان الكبار قد تساقطوا في عز الصيف.. قبل ان يأتي الخريف.. وراحوا يتأرجحون بين دخان الحشيش وأقراص الانهيار النفسي. كنا نحب جمال عبدالناصر كما نحب انفسنا.. لكننا لم نستوعب ما جرى.. فرحنا نعلن ــ مع كل الايمان به ــ غضبنا منه.. ووجدنا في قصائد احمد فؤاد نجم ما ينزع الشمع الاحمر عن هذا الغصب.. فرحنا ننسخها في دفاتر المحاضرات التي بدت باهتة.. خافتة.. بالية.. كانت هذه القصائد شهادة لا تقبل الزور على العصر.. ووثيقة دفاع عن النفس في جناية وطنية عامة لم نرتكبها وان وجدنا انفسنا نحاكم عليها. لم تكن ماكينة (الفوتوكوبي) قد اخترعت بعد عندما رحنا نكتب بأيدينا مئات النسخ من كل قصيدة طازجة.. ساخنة يكتبها احمد فؤاد نجم.. ولم نكن نصدق ما يقول.. وما نردده وراءه.. (الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا.. يا محلا رجعة ظباتنا من خط النار.. يا اهل مصر المحمية بالحرمية.. الفول كتير والطعمية.. ايه يعني في العقبة جرينا.. ولا في سينا.. وهي الهزيمة تنسينا اننا احرار.. ايه يعني شعب في ليل ذله.. ضايع كله.. دا كفاية بس اما تقوله احنا ثوار.. اشعار تمجد وتماين.. حتى الخاين.. وان شاء الله يخربها مداين عبدالجبار) . ورحنا نتبعه في كل مكان.. كان يبدو لنا بطلا في تحطيم القناعة التي لا تقهر.. وجدنا انفسنا نخترق حواري (الغورية) و(الباطنية) لندخل بيتا لم يكن فيه شيء سوى الجرأة والشجاعة.. كان في عيوننا اجمل من قصور غرناطة.. ان القصور احيانا نوع من القبور.. اما هذه الجحور فهي دافئة بالحياة وبأشعار احمد فؤاد نجم وانفاس المتحمسين له.. كانت حارته.. حارة (حوش قدم) تسع العالم كله.. هو نفسه كان يراها كذلك.. (حارتنا.. مجاري وناموس.. مرايه وفانوس.. حجارة وكراسي.. شباب على النواصي.. دقون على الكروش.. عرق على القروش.. بيوت في الشقوق.. مساء تموت.. صباحا تفوق.. قديمة وغبية.. لبيبة وصبية) في هذا المكان البعيد عن النيل والبيانو بار والبيتزا المستوردة من نابولي رأسا صنع ابو النجوم مجده.. وارتفع نجمه.. فما الذي افقده الذاكرة.. ووضعه في غير موضعه.. بعيدا عن اهله وناسه.. مرة اخرى لا حاجة لنا لعلامات التعجب والاستفهام.. فكل الزهور الجميلة فقدت رائحتها ونضاراتها وعرضت نفسها في سوبرماركت يبيع كل شيء حتى تاريخ الجياد الاصيلة. *** وكان لابد ان يقبضوا عليه.. وان يحبسوه ويكدروه ويحاولوا ان يخرسوه.. لكنه كتب معظم قصائده في السجون والمعتقلات.. ولون الليالي السوداء بألوان الشعر.. وخرجت قصائده مهربة من وراء الجدران السميكة.. لتصبح الصحيفة المعارضة الوحيدة في ذلك الوقت.. فهو يتحدث عن الحرية الغائبة.. (في نور الكلام.. الكلام.. يكسر القيد واللجام.. يدفع الناس للأمام.. شوف يا صاحبي.. قول كلامك واستخبى في الزحام) وهو يتحدث عن غياب العقاب والمسؤولية.. (والجناية ان البلد من السكات بعضها راح لليهود والبعض مات.. واللي جابوا النكسة له على الكراسي.. فوق ضهور المخلوقات) .. ثم يحدد اسلوب العمل في هذا الوقت الحرج.. (البلد مش عايزة قاعدة.. البلد عايزة المجاهدة.. باللسان والايدين.. كلنا ومن غير معاهدة علينا دين.. يكبسونا.. يحبسونا.. يضربونا كرباجين.. البلد سامعة وشاهدة.. وكل خرم قصاده عين..) والاهم من اسلوب العمل انه كان قادرا على تحديد موقعه الاجتماعي والنفسي على خريطة الانتماء في هذا الوطن.. بل انه يبدو متحدثا عن الذين خرج منهم وانتمي اليهم.. (احنا الناس بالطول والعرض.. من عافيتنا تقوم الارض.. هما الفيلا والعربية والنساوين المتنقية.. حيوانات استهلاكية.. شغلتهم حشو المصارين.. احنا الحرب حطبها ونارها.. واحنا الجيش اللي يحررها.. واحنا الشهدا في كل مدارها.. منتصرين او منكسرين.. هما مناظر بالمزيكة.. والزفة وشغل بوليتيكا ودماغهم طبعا استيكة.. بس البركة في النياشين.. هما بيلبسوا اخر موضة واحنا بنسكن سبعة في اوضة.. هما بياكلوا حمام وفراخ واحنا الفول دوخنا وداخ.. هما بيمشوا بطيارات واحنا بنموت بالاتوبيسات. ومن موقعه الذي كان يسخر في (موال الفول والطعمية) من كل الذين يصرون على بقاء الناس في هذا الوطن على ما هم عليه.. فيقول: (عن موضوع الفول واللحمة.. (صرح مصدر.. قال مسؤول.. ان الطب اتقدم جدا.. والدكتور محسن بيقول: ان الشعب المصري خصوصا من مصلحته يقرقش فول.. حيث الفول المصري عموما.. يجعل من بني آدم غول.. والبروتين الكامن طيه.. نادر زيه في ايها فول.. تاكل فخذه في ربع زكيبة.. والدكتور محسن مسؤول.. يديك طاقة وقوة عجيبة.. تسمن جدا.. تبقى مهمل.. لحمة نباتي ولا في الحاتي.. تاكل قدرة وتعيش مسطول) .. وتصل السخرية الى مداها: (يا دكتور محسن.. يا مزقلط.. يا مصدر غير مسؤول.. حيث ان انتو عقول العالم.. والعالم محتاج لعقول.. ما رأي جنابك وجنابهم.. فيه واحد مجنون بيقول.. احنا سيبونا نموت باللحمة.. وانتو تعيشوا وتاكلوا الفول.. ما رأيك يا كابتن محسن.. مش بالذمة كلام معقول. *** بل انه لم يكتف بتحديد موقعه ومطالبه.. ولم يكتف بان يعطي مثالا على قدرة المثقف على ان يدفع ثمن مواقفه.. بل انه كان ناقدا لاذعا لكل من كان على الجانب الاخر من النهر.. كان يندفع الى قدره مثل كل الشعراء المفخخين.. لا يعرف قوة من يصطدم.. ولا يعرف عقاب الارتطام.. فما الذي سيفعلونه به اكثر من الحبس والاعتقال وحرمانه من الوصول للناس عبر القنوات المعروفة. فهو يسخر من الكتاب الذين يتلونون حسب الموجة ليحققوا اعلى مكاسب.. هو من يصف الواحد منهم (بالثوري النوري الكلمنجي.. هلاب الدين الشفطنجي) .. القاعد في الصف الاكلنجي.. والذي (يتمركس بعض الايام.. ويتمسلم بعض الايام.. ويصاحب كل الحكام.. وبستاشر ملة) . وفي قصيدته (الفوازير) لا يترك احدا.. لا يسخر منه.. الشاعر الذي وصفه بانه (نازل يقزقز ازا اوزو.. وخللي بالك من زوزو) .. وشاعر اخر قال عنه انه (مجاول وشاعر.. وبياع ملوحة.. وتاجر غناوي وسمسار بنات.. وخبر مودك على التجريرات حضر من بلدهم بمقطف ملوحة.. جبر.. واشتراله.. تلات تاكسيات) .. والمطربة الشهيرة التي مدحت عشرين ملك وميت وزير ورئيس.. تابعة قلاون التي تغني من اول المبتدأ الى نهاية الكون.. والمطرب (لماليمو الشخلوعة الدلوعة الكتكوت.. الليلة حيتنهد ويغني ويموت.. يشيلوه قال على لندن.. علشان جده هناك.. من بعد ما يتلايم على دخل الشباك.. ويهرب اموالك ويقول لك اهواك) .. ولا يسلم احد من قصائده.. لكن.. هل يقدر الان على كتابه قصيدة بنفس الجرأة والشجاعة عن نفسه.. وسنتقبلها منه.. مهما كانت.. سنصدق كل ما سيقول فيها.. هل سيقدر.. مرة ثالثة ما حاجتنا لعلامات الاستفهام والتعجب. *** ولم يحدث ان اصبح شاعر نجما بهذه الحجم من الضوء.. لقد اصبح اسما على مسمى.. ولم يكن ينافسه في النجومية سوى نزار قباني.. بل ان الناس التي اختلفت على نزار قباني.. اتفقت عليه.. كانت الجامعات تحمله على الأعناق مثل الزعماء الذين كانوا.. وكانت الفتيات يعتبرنه فتى أحلامهن.. وكانت المظاهرات تخرج في استقباله من بيروت إلى طنجة, ومن دمشق إلى الجزائر.. وكان يجمع بين قوة الحاكم بأمر الله, وسحر وجاذبية شهريار, كان رغم تواضعه الأكثر نفوذا, وكان رغم بساطة ثيابه الأكثر أناقة, وكان رغم جيوبه الخالية من المال الأكثر ثراء.. لقد حولته كلماته وقصائده إلى اسطورة, والأسطورة مخلوق من كوكب آخر.. يعيش محلقا في عقولنا.. حتى يقرر ان يهبط على الأرض, ويتصرف مثل باقي المخلوقات المعروفة.. يجري وراء أغنية.. ويستنفد نفسه في معارك الكرة.. ويسعد بالتكريم في الملاهي الملونة والشخصيات الغارقة في الغراء. كان الوطن الأكبر يحتضنه بعد ان ضاق به الوطن الأصغر, لم يشعر يوما بالغربة, ولا بالنفي.. كان كل من يعرفه يحوطه بدفء الرعاية والتقدير والتكريم.. وخلافا على قواعد علم التشريع.. كان ينبت له ألف ذراع كلما قطعوا له ذراعا, وكان يولد له ألف لسان كلما حاصروا صوته, وكان يفتح له ألف بيت كلما أغلقوا بيتا في وجهه, وكان يتناسخ منه ألف نجم كلما نفخوا في ضوئه, ما الذي لم يحصل عليه حتى يفتش عن حفل استقبال في مطعم (فايف ستارز) , وأي تكريم يحلم به بعد ان كرمه ملايين من عشاق الشعر وعشاق الحرية في الوطن العربي الممتد من البحر إلى البحر, ومن مرقد الحلم إلى الحرية الذي لا يتحقق إلى مرتع الأحزان التي لا تنتهي. انني أعرف ان الجياد تتعب, والشعراء بعد رحلة المعاناة القاسية في حاجة لأن يريحوا جباههم على تراب بلادهم, وأعرف انهم في حالة لمن يقول لهم شكراً أدام الله فضلكم, وأعرف ان أحمد فؤاد نجم قد احترقت يداه وهو يكتب, وهي تصطاد نجوم القصائد, وهي تنكس في نيران الحرية, وأعرف انه يستحق كل تقدير وتكريم.. ولكن .. بشرط ان يكون على قدره.. وعلى ما قد قدمه.. ومع كل الشكر لمن حاول.. ليس هذا هو ما يناسبه.. ولا ما يناسب تاريخه, ثم اننا نخاف ان يكون ذلك نوعا من ألعاب التجارة والعلاقات العامة, في زمن سادت فيه سطوة (البروبجاند) وأخذت في طريقها كل شيء جميل كنا نحافظ عليه ونعتز به من الأفلام الأبيض والأسود إلى القصائد والأشعار التي لونت حياتنا بكل ألوان الحب والحياة والحرية. ويا (أبو النجوم) ليس هناك تكريم أفضل من ان نتذكر ولو قصيدة واحدة من قصائدك التي علمتنا المغامرة ولو على خشبة طافية لسنوات في محيط بلا قرار وبلا نهاية: (ممنوع من السفر.. ممنوع من الغنا.. ممنوع من الكلام.. ممنوع من الاشتياق.. ممنوع من الاستياء.. ممنوع من الابتسام.. وكل يوم في حبك.. تزيد الممنوعات.. وكل يوم بأحبك أكثر من اللي فات.. حبيبتي يا سفينة.. متشوقة وسجينة.. مخبر في كل عقدة.. عسكر في كل مينا.. يمنعني لو أغير.. عليكي وأطير.. اليكي واستجير.. بحضنك.. أو أنام.. في حجرك الواسع.. وقلبك الربيع.. أعود كما الرضيع.. بحرقة الفطام. حبيبتي يا مدينة.. متزوقة وحزينة.. في كل حارة حسرة.. وفي كل قصر زينة.. ممنوع من ان أصبح.. بعشقك.. أو أبات.. ممنوع من المناقشة.. ممنوع من السكات.. وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات.. وكل يوم بأحبك .. أكثر من اللي فات) . يا (أبو النجوم) .. عد إلينا.. فنحن أهلك.. وناسك.