ربما يتذكر بعض القراء المطربة التي غنت عن خط التليفون المشغول في السبعينات, فقد كانت المنطقة العربية عموما حديثة عهد بالهواتف خاصة في مناطقها البعيدة والنائية , ومثل كل جديد يدخل إلى الاغنية التي احتفت بالطائرات والسيارات والصواريخ والسفن, فان التليفون حظي بنصيب وافر من الاغنية, على حناجر مطربين ومطربات, من التي تبدأ اغنيتها وهي تصرخ ألو ألو تطلب الخط بسرعة إلى التي تبكي الخط المشغول وبالتالي بالها المشغول على حبيب القلب, الذي ربما كان يشغل الخط كل هذه الساعات الطوال مع اخرى. وهكذا فان خط التليفون المشغول مثير للريبة والشك, وهو مثير للحنق والغضب ايضا في حال كان المتصل في عجلة من أمره, ثم انه قد يتسبب بمشكلات منها ضياع اموال أو صفقات بالنسبة للمتعاملين في البورصات مثلا أو التجارة عموما, كما انه قد يتسبب في القتل أو الموت لاشخاص يكون الخط المشغول في دوائر كالشرطة أو الاسعاف أو المستشفيات سببا في التأخر عن اسعافهم وعلاجهم وتقديم العون لهم و... هكذا. ومؤخرا فان خطا هاتفيا مشغولا لفترة طويلة حال دون انقاذ رجل فلبيني من حكم بالموت ضده, فقد اصدر الرئيس الفلبيني جوزيف استرادا عفوا رئاسيا عنه قبل تنفيذ حكم الاعدام بخمس دقائق, الا ان خط السجن المشغول حال دون تبليغ المسؤولين بوقف الاعدام, فاعدم الرجل بحقنة غاز. والرجل من جريمته يستحق الاعدام, ففي التفاصيل انه اغتصب ابنتيه البالغتين 12 و14 سنة مستغلا غياب زوجته في دولة خليجية للعمل, فحكم عليه بالاعدام, الا ان احدى ابنتيه وجهت نداء عبر اذاعة محلية في مانيلا للرئيس الفلبيني تناشده صبيحة يوم تنفيذ الحكم بالعفو عنه, وصادف ان الرئيس استرادا كان يستمع للاذاعة فتأثر بالنداء واصدر امرا سريعا بالعفو عنه, بذل مساعدوه كل جهدهم لابلاغه لادارة السجن قبل تنفيذ الحكم, لولا ان الحكم العادل نفذ ضده بسبب الخط المشغول. طبعا الخمس دقائق كانت فاصلة ما بين حياة وموت هذا الفلبيني, منذ لحظة اصدار العفو إلى لحظة الاعدام حين لم يتمكن رجال الرئيس من تبليغ العفو لسلطات السجن, فضاعت على المتهم الفرصة الاخيرة للنجاة, وكأن العدالة هنا اصرت على ان تأخذ مجراها حتى النهاية, بسبب هذه اللحظة الفاصلة, وهي نفسها التي تقرر مصائر اناس وامم وصفقات وحروب وغيرها, فتدفع بهم إلى الحياة والنجاة والحظوظ السعيدة والثراء والزواج وغير ذلك أو تدفع بهم إلى الموت أو الفقر أو الطلاق أو المشكلات أو الحوادث, فلله في خلقه شؤون. واذا كانت العدالة اقوى في حالة الفلبيني من حظ اللحظة الفاصلة, فانها ليست كذلك في حالة متهم بريطاني هذه المرة في قضية اعتداء جنسي, حيث أجل قاض جلسة محاكمة لهذا المتهم لمدة ستة اشهر كاملة, بسبب ارتباطه بحضور مباراة في كرة التنس في ويمبلدون, يصادف بدء اجازته السنوية ايضا, خاصة ان موعد المحاكمة كان يمكن ان يمنعه من حضور المباراة, فآثر تأجيل المحاكمة, لان المتهم يمكن ان ينتظر أما المباراة فلا. هل نعتبر هذا المتهم اكثر حظا لان قاضيه فضل كرة التنس عليه فأجل الحكم؟ الارجح انه كذلك حتى مع هذا التأخير الطويل, ذلك لان قاضيا يفضل مباراة تنس على محاكمة متهم كان يمكن ان (يسلق) القضية كلها فيحكم حكما عاجلا هو على الاغلب ليس في صالح المتهم, فيكون هذا الاخير أمامه فرصة اطول لتحقيق العدالة وحصوله على حكم متأن, والاهم ان امامه ستة شهور يعيش فيها على حساب الحكومة فيوفر من ماله الخاص ثمن الطعام وايجار المسكن وفوقها الضريبة التي يدفعها لحكومته, ما سوف يجعله لاحقا عند علمه بسبب تأخير الحكم عليه, يشكر كرة التنس, وربما يدين لها بحكم خفيف.