لم تكن (ليلة نتانياهو) هي الاخيرة في مسلسل الاعتداءات الوحشية التي تنفذها قوات الاحتلال الصهيوني ضد لبنان, فقد شكلت تلك الليلة من نهاية الاسبوع المنصرم ضربة موجعة لاستعدادات لبنان لموسم سياحي يعد بتخفيف الضغط الذي يشكله الدين العام على الخزينة, وبذات القدر ترقب القطاع السياحي والاستثماري لمرحلة تهيئ لانهاء حقبة ما بعد الحرب الاهلية, وتتويجاً لمرحلة اخرى تعيد الى لبنان عافيته وقدرته على الابداع كدولة خدمات متقدمة في المنطقة العربية. لقد كان توقيت الضربة مدروساً من قيادة تجمع الليكود المهزومة, وبمباركة من زعامة (العمل) المنتصر في الانتخابات على ارضية ابقاء النشاط الاستيطاني داخل الاراضي المحتلة والانسحاب المشروط من الجنوب اللبناني والجولان السوري جزئيا, حققت الضربة الصهيونية التي طالت محطات توليد الطاقة الكهربائية وجسور المعابر التي تربط بيروت بالمناطق اللبنانية الاخرى ومحطات الهاتف, اهدافها في خلق ارباك رسمي وشعبي واخراج حوارات الهمس للإعلام ازاء طبيعة الدور الواجب القيام به من قبل المقاومة اللبنانية. فكانت ردة الفعل الاولى الغاء حجوزات المئات من السياح للبنان ومغادرة العشرات من المصطافين الاراضي اللبنانية تخوفاً من (عناقيد غضب) ثانية تأتي هذه المرة بعد الانتخابات وليس قبلها. هذا الارباك (السياحي) لاشك انه أثر سلبا في الخطة المرسومة لهذا الموسم, وتل ابيب تدرك ذلك, فهي لا تريد للبنان ان يعود متعافيا لذلك لم تتردد في تحريك اصابعها في صيدا عبر التخطيط لمجزرة ذهب ضحيتها قضاة مشهود لهم بالامانة والاستقلالية, كرد فعل على الانسحاب المشين من منطقة جزين والكيفية التي تعاطت معها الدولة والمقاومة في لبنان مع العناصر المحسوبة على (جيش لبنان الجنوبي) العميل للكيان الصهيوني. ويرى ايضا قادة الكيان ان لبنان هو موقع الاختبار الاول حين يبدأون في تنفيذ بعض سياسات التسوية الجديدة كالتي تطبخ الان على نار هادئة من قبل ايهود باراك الذي يستعد لتسلم زمام الامور من نتانياهو. والتوجهات (الجديدة) ليست وليدة نتائج الانتخابات, بل هي منهاج صهيوني يسير عليه كل من يتسلم الاغلبية في الكنيست, ولا فرق بين حزبي العمل والليكود الا في التفاصيل والكيفية التي تطبق من خلالها الاهداف الصهيونية المعروفة. فلا الاستيطان سيتوقف, حيث الاستعدادات جارية لبناء نحو الفي وحدة استيطانية استعداداً لاستقبال المزيد من المهاجرين اليهود من شتى انحاء الارض, ولا القصف على الجنوب والعمق اللبنانيين سيصل الى نهاياته. ذلك ان طبيعة الكيان تفرض عليه ممارسة فعلية في العدوان المستمر. ولان لبنان بمقاومته البطلة لم يركع امام آلة الدمار الصهيونية, فمن المرجح ان العدوان سيستمر حتى تتم الاستجابة للشروط الامنية, لكن هذه الشروط لم تتوفر حتى في ظل الاحتلال, فكيف سيكون عليه الامر اذا انسحبت قواته؟ من الواضح ان تل ابيب تريد من الحكومة اللبنانية ان تتحول الى شرطي حدود يحرس امن مستوطنات شمال فلسطين في حين ان الآلة العسكرية الاسرائيلية تعجز عن القيام بهذا الدور, فكيف يقوم به الآخرون؟ والرهان الذي تحاول (اسرائيل) ادخال المنطقة فيه هو فك المسارين اللبناني ــ السوري عن بعضهما من جهة وابعاد المقاومة عن الحدود من خلال ضرب اسفين بينها وبين الدولة اللبنانية من جهة اخرى. وقد فشل الليكود بقيادة نتانياهو ــ شارون من تحقيق هذا الهدف المزدوج, كما فشلا في تغيير قراري مجلس الامن الدولي رقم 425 و426, وعليه فان المعادلة التي وعد الليكود ناخبيه بتغييرها لصالح الكيان لم تتغير بما فيها لجنة تفاهم نيسان التي لا حول لها ولا قوة, اللهم إلا تسجيل الشكاوى فهي لم تستطع ايقاف العدوان المستمر ولن تكون قادرة على وقف قصف الطائرات الاسرائيلية ومدافعها لقوات الامم المتحدة التي تتسكع في الجنوب اللبناني. والشيء الوحيد القادرة على فعله تل ابيب هو استمرار القصف والعدوان, حيث ان ردة الفعل العربية عموما لا ترتقي الى مستوى الحدث, فالصمت الفعلي لا يردع العدوان ولا يعيد الطائرات العدوة الى مرابضها. بل ان قراراً مثل الاخير الذي اصدره مجلس الامن لن يصدر اقوى منه في ظل سيطرة القطب الواحد على العالم, لذلك فهو يجمع الضحية والجلاد ويحملهما مسؤولية توفير الاجواء بدلا من ادانة العدوان الصهيوني. هذا الصمت يشي بان اوراق اللعبة مكشوفة او انه يعطي هذا الانطباع المعبر عن عجز فعلي في التعاطي مع المستجدات الحاصلة, لدرجة ان الحديث عن وجود قناعة عربية رسمية بضرورة التفكير في مواجهة العدوان امر اصبح مشكوكاً فيه, بعكس قناعة القادة الصهاينة الذين يرون في العرب المدافعين عن حقوقهم والمطالبين بتحرير ارضهم من العدو الاول, ولا بأس من توظيف التاريخ لتعزيز هذه القناعة مثلما صرح زعيم الليكود السابق اسحاق شامير الذي اكد على ان سوريا هي العدو رقم واحد لاسرائيل. لبنان الذي ادمته الحرب الاهلية والحروب الصهيونية المفتوحة, لم ينتظر الفرج الذي لا يبدو انه قادم, فسارع لاصلاح جسوره المدمرة وعمل على اصلاح محطات الطاقة الكهربائية بدعم معلن من قبل مستثمرين افراد وجدوا ضرورة في اداء الواجب الوطني والقومي. لكن لبيروت حق اخر على العرب هو ان تستمر عملية التلاحم الضعيفة عبر المساهمة في اخراج الاقتصاد اللبناني من كبوته, والعمل على انجاح انطلاقته السياحية الاخيرة عبر الترويج لبرامجه في العواصم العربية, بهدف قطع الطريق على الاهداف الصهيونية المعلنة وغير المعلنة فلبنان يستحق كل هذا الدعم واكثر.