سياسيو أوروبا الغربية يمارسون السياسة الدولية بوجهين مختلفين, وجه يتجه نحو الداخل, أي نحو المواطنين في بلادهم, وآخر للتسويق السياسي في وسائل الإعلام العالمية , وفي كليهما الكلام غير الفعل, قد ينفذون ما يعلنونه أمام مواطنيهم, لكن من المؤكد أن كلامهم للآخرين كالزبد الجميل الرائق الذي يذوب مع مطلع أشعة الشمس الأولى, أي ينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول (كلام الليل زي الزبده يطلع عليه الصباح يسيح) . هذا هو ما حدث بالضبط في (قمة ريو دي جانيرو) التي انعقدت خلال هذا الأسبوع في البرازيل, والتي جمعت زعماء دول الاتحاد الأوروبي مع (حكام دول أمريكا اللاتينية) , وهذا المصطلح ليس من تأليفي أو نوع من الحط من شأن من مثلوا دول أمريكا اللاتينية في هذه القمة, ولكنه مصطلح أطلقته وسائل الإعلام الغربية الأوروبية, لأنها لا ترى في هؤلاء الشخصية القانونية الديمقراطية, التي تمنحهم شرعيا لقب رؤساء أو رؤساء وزارات, ولكنهم مجرد حكام, حتى من وصل منهم إلى هذا المنصب من خلال انتخابات عامة يشك الغرب في صحتها, أو أنهم اعتنقوا الدكتاتورية بعد أن صعدوا إلى كرسي السلطة تحت شعارات ديمقراطية, وهذا ينطبق على عدد كبير من حكام تلك القارة. كان زعماء أوروبا في تلك القمة على استعداد لتوقيع أي اتفاق يتم إعلانه, حتى لو لم يتم الاتفاق على نقاطه, لذلك فضلوا أن يكون الإعلان, الذي أعده وزراء الخارجية في اجتماعاتهم التي عقدوها قبيل القمة, مطاطا على طريقة كل البيانات التي تصدر في العالم الثالث, وتتحدث عن أهمية كل شيء في هذه الدنيا عبر جمل إنشائية دون مضمون محدد, ودون أن تتفق على مواعيد محددة لتنفيذ تلك الجمل الإنشائية, ولكن الاتفاق لا يكون إلا على شيء واحد وهو موعد اللقاء المقبل بعد عامين كنوع من التجميل المطلوب إعلاميا حتى يمكن إيهام الشعوب بأهمية هذا اللقاء. لأن الرغبة في التعاون الاقتصادي بين أوروبا وأمريكا اللاتينية تعترضه عدة عقبات حقيقية ومن الصعب تخطيها دون ان تتخلى أوروبا عن بعض رفاهيتها, وهو الأمر المرفوض ولو مجرد الحديث عنه أو وضعه موضع نقاش, أولها أن أوروبا ليست على استعداد لفتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية الرخيصة التي تنتجها دول أمريكا اللاتينية بأسعار أرخص وجودة أفضل, لأن دخول تلك المنتجات سوف يفتح على حكام أوروبا نيران فلاحيهم وملاك أراضيهم الذين تضار مصالحهم الاقتصادية في الأسواق, وبالتالي ينعكس ذلك من خلال الأصوات التي تفقدها الأحزاب الحاكمة حاليا, فتفقد مقعد السلطة وتتركه لحزب آخر يأتي رافعا شعار حماية تلك المنتجات أمام الغزو الأمريكي اللاتيني. ثانيها أن أوروبا لا تزال عاجزة عن مواجهة الولايات المتحدة في تلك المنطقة الهامة اقتصاديا واستراتيجيا, ووضع أقدام أوروبا في تلك المنطقة في حاجة إلى سياسة موحدة يمكنها مواجهة الولايات المتحدة في مكان تعتبره ملكها الخاص, ولا تسمح بتجاوز حدوده لأي طرف مهما كانت علاقتها به. وبات واضحا أن أوروبا كاتحاد موحد ليست لها سياسة خارجية موحدة, ولكنه يخضع لسياسات متعددة بعدد الدول الأعضاء في الاتحاد ومصالح تلك الدول الخاصة, بل ان بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتعارض مصالحها مع مصالح دول أخرى أعضاء في الاتحاد نفسه, أو أن بعض تلك الدول لا تزال تشعر بأنه عليها أن تلعب دور التابع للولايات المتحدة, وترتعد عندما تواجه قرارات أوروبية تحد من دورها, أو تضعها في مواجهة مع سيدها الساكن في البيت الأبيض. ثالثها أن سياسة أوروبا الزراعية لا تزال غير واضحة حتى بالنسبة للعلاقة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي نفسه, وبدا هذا واضحا أيضا خلال قمة كولون التي أنهت بها ألمانيا فترة رئاستها خلال الأشهر الستة الأولى لهذا العام لتسلم الراية للرئيس الفنلندي, فرنسا لا تزال تتحدث عن أن ما يسمى (اجندة 2000) , أي أنها لا توافق على مباحثات مع دول أمريكا اللاتينية تتركز بشكل أساسي على فتح أسواق أوروبا أمام تلك المنتجات قبل أن يتم حل معضلة المنتجات الزراعية الأوروبية, التي تعد فرنسا من الدول الخاسرة في حالة التوصل إلى اتفاق حول تلك المنتجات مع دول أمريكا اللاتينية. هناك أيضا مشكلة انضمام بعض دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي, تنفيذا لوعود قطعتها دول الاتحاد على نفسها لوضع المزيد من العقبات أمام من تخول له نفسه العودة إلى أحضان روسيا مجددا ومنع قيام (حلف وارسو) جديد, وضم تلك الدول يضع المزيد من العقبات أمام التوصل إلى اتفاق مع دول أمريكا اللاتينية, لأن الدول الأوروبية الشرقية المرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي مثل: بولندا والمجر والتشيك تعتبر دولا زراعية بالدرجة الأولى, وصناعاتها متخلفة ولا ترقى إلى الصناعات الأوروبية الغربية, وانضمامها يعطي منتجاتها الزراعية أولوية على خارطة أسواق الاتحاد, مما يجعلها منافسة قوية لأي اتفاق مع دول أمريكا اللاتينية. الشيء الوحيد الذي تتفق عليه دول الاتحاد الأوروبي, سواء عبر قمة ريو أو غيرها, هو وضع أقدامها في الشركات الوطنية المرشحة للتخصيص في دول أمريكا اللاتينية تطبيقا لسياسة السوق المفتوحة, أي أن أوروبا على استعداد للسيطرة على القطاع الوطني لدول أمريكا اللاتينية بعد تصحيح أوضاعه على حساب تلك الدول, والاتحاد الأوروبي بالطبع لن يقبل على أي شركة, بل على شركات معينة تتركز بشكل خاص في الصناعات الأكثر تقدما, أو تلك التي تحقق أكبر عائد ربحي, ويبدو هذا واضحا من خلال التنافس على شراء شركات البترول في الأرجنتين والبرازيل, أو شركات الكهرباء والغاز والاتصالات, أي استعمار اقتصادي جديد, وليست شراكة كما تعلن وتريد حكومات أمريكا اللاتينية. لذلك تطالب دول أمريكا اللاتينية بوضع حد لهذا الوضع في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي, وأول مطالبها وقف المساعدات التي تقدمها لمنتجاتها الزراعية, تلك المساعدات التي تحد من منافسة المنتجات الزراعية لدول أمريكا اللاتينية في الأسواق الأوروبية. وترى دول أمريكا اللاتينية أن تلك المساعدات كانت لها مبرراتها من قبل, عندما كانت المنتجات الزراعية الأوروبية ضعيفة ولا تكفي لتغطية جميع احتياجات سكان الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي, أما الآن فان أوروبا ليست في حاجة إلى الاستمرار في مساعدة منتجات أصبحت باهظة التكاليف بعد ان زادت منتجاتها عن حاجتها, وأصبحت تساعد من يتوقف عن الإنتاج الزراعي وبشكل خاص منتجات الزيتون والقمح واللحوم والحليب, وهو الأمر الذي أدى إلى خفض الطلب على المنتجات الزراعية في العديد من دول العالم, ومن بينها الأرجنتين التي فقدت مكانتها التي كانت تتمتع بها كمنتج للقمح واللحوم خلال سنوات الستينيات. هذه بعض من المشاكل التي اعترضت قمة ريو دي جانيرو حتى قبل انعقادها لا تزال قائمة, والإعلان عن بيان ختامي يوقع عليه زعماء أوروبا وأمريكا اللاتينية ليس الحل النهائي لتلك المشاكل, لأنه لا يحل مشكلة, بل يؤكد على حق أوروبا في اختيار ما تريد من أمريكا اللاتينية ورفض ما لا تريد, ولا بد من الاعتراض على هذه السياسة التي تكشف عن ازدواجية غريبة في العقل الأوروبي في تعامله مع الآخرين, وبشكل خاص الذين ينتمون إلى الجنوب. انتهت القمة وأوروبا في واد وأمريكا اللاتينية في واد آخر, ولا يبدو أن القمة المقبلة في اسبانيا بعد عامين ستكون افضل من قمة ريو. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا