قال الرئيس الجزائري الجديد والمجاهد القديم عبد العزيز بو تفليقة الاسبوع الماضي لمجموعة من الاعلاميين العرب ان الديمقراطية دفع الشعب الجزائري ثمنها غاليا بأرواح ابنائه وشهدائه ولايمكن لأي حاكم ان يصادرها لأنها حق أساسي ــ بل الحق الأول ــ للشعب الجزائري تماما مثل الأرض والعرض والكرامة , ونقل الاعلاميون العرب هذا الكلام وأمثاله في صحفهم ومنهم الزميل هشام الديوان لجريدة الوطن القطرية والزميل أحمد تيمور لجريدة الأهرام المصرية. واضاف الرئيس بو تفليقة قائلا: انني وافقت على استضافة المؤتمر القومي العربي في شهر مارس المقبل دون تحفظ أو قبول على أي من الشخصيات المشاركة فيه وعددهم خمسمائة مفكر من أنحاء العالم العربي, وهذا المؤتمر تعودت على استضافته مدينة بيروت وذلك يشرف لبنان الفكر والحرية لما لبيروت من علاقات حميمة بالحرية الفكرية والكلمة الجريئة والرأي الصادق. ونقل الزملاء الصحفيون عن الرئيس الجزائري عزمه الراسخ على وضع حد للفتنة الداخلية واقرار مصالحة وطنية .. وبدأت المصالحة بالفعل حين خطا جيش الانقاذ خطوة حاسمة ووطنية ووضع نفسه على ذمة الرئيس لخدمة السلام والأمن والاستقرار في الجزائر, واستجاب الرئيس لهذه الخطوة بتقديم مشروع عفو تشريعي عام يعيد فتح أبواب الحوار الوطني على مصراعيها لكل من يرغب في بناء الجزائر الحديثة الديمقراطية بالكلمة والرأي لا بالسلاح والرصاص والارهاب والمافيا. وهكذا فإن آفاق السلام والتقدم تبدو اليوم ممكنة لا في الجزائر وحدها ولكن في حوض البحر الأبيض المتوسط كله, وخاصة حين يتحقق أمل الرئيس بوتفليقة في ايجاد حل دائم ومشرف لقضية الصحراء التي تجاوزت ربع القرن, فيجسد الرئيس الجزائري على أرض الواقع تلك المعاني السامية والكريمة التي جاءت على لسانه في رسالته الجوابية للعاهل المغربي الحسن الثاني والتي اكد فيها عمق الروابط الحضارية الأخوية والنضالية التي ربطت بين الشعبين الجزائري والمغربي, ولنتصور متفائلين كمغاربيين بأن الشهور القليلة المقبلة ستشهد انتصار المصالحة على دعاة الفتنة والاستئصال داخليا وعلى اللاعبين بقضية الصحراء خارجيا .. فسيكون المستفيد الأكبر بلا شك مع المغرب العربي الكبير بكل أعضائه خاصة بعد انفراج أزمة لوكيربي... وللحقيقة فإن كل أعضاء المغرب العربي يسعون لوحدة هذا الاقليم العربي وتعاونه وتكامله وتكاتفه, وهو كذلك هاجس للشركاء الشماليين الأوروبيين الذين نشترك معهم في اقتسام ضفاف البحر الأبيض المتوسط مثل فرنسا وايطاليا وأسبانيا. اننا أمام خطاب جزائري جديد, وهو خطاب لاسياسي فحسب بل حضاري, تميز بقراءة التاريخ واستخلاص عبره, فلا يمكن لأي سياسي هو المغرب العربي ان يمارس السياسة دون قراءة التاريخ واستلهام احداثه واستنطاق أخباره .. خاصة وان مدرسة اليعبرمي مدرسة مغاربية بالدرجة الأولى حين وضع العلامة عبدالرحمن ولي الدين ابن خلدون كتابه بعنوان: (العبر) مؤسسا به علم التاريخ وفلسفة العمران البشري وعلم الاجتماع.. وقد كان اسلافه من المؤرخين مجرد رواة للاحداث مسجلين للاخبار ومحدثين عن الماضي. وقديما قال الامام علي كرم الله وجهه: ما اكثر العبر وما اقل الاعتبار. لقد تشرفت شخصيا بالتعرف على الرئيس الجزائري وله في منطقة الخليج اصدقاء عديدون اوفياء, وطالما تحادثت معه حينما كان بعيدا عن الشأن العام وعرفت فيه المثقف الشهم والمسؤول المستقيم وحامل هم المغرب العربي والحضارة العربية الاسلامية, ثم اني كنت من المتابعين لمسيرة هذا الرجل الوطني الشجاع حينما كان وزيرا لخارجية بلاده وحينما ابتعد عن السياسة ورأيت فيه أحد فرسان المستقبل وأحد بناة المغرب العربي, كما لمس فيه تلك الصفات كل من عرفه وكل من سمعه وكل من يحب الجزائر. لقد قال الرئيس الجزائري في اجتماع الاعلاميين العرب الذين دعتهم مؤسسة البابطين: (ان الدول كالافراد تمتحن ويوهي منها العظم والشعوب كما الزرع ان لم نتعمدها بالري والرعاية ذبلت وصارت هشيما) . وتعقيبا على هذه الكلمات كتب د. احمد تيمور في الاهرام المصرية قائلا: (لقد ترك بوتفليقة في الوجدان والقلب لكل من استمع اليه ذكرى لن تنمحي من الامتنان والتقدير لشخصه الذي فيه كل هذا الحس الفياض بعروبته وكل هذا الضمير الثقافي المثقل بهموم وآمال وطنه.. وسيجد وطنه الجزائر على يديه ان شاء الله سبيله للخروج من أزمته والصعود الى مكانه الذي يستحقه تحت شمس العزة والازدهار. فيا جزائر سلام عليك يوم ثرت على الغزاة وتحررت من الطغيان وسلام عليك يوم تشفين من جراحاتك وتتعافين مما علق بروحك الابية من مآس) . والسلام على المغرب العربي كله.. سلام المجد والوفاق والمصالحة والديمقراطية والمناعة. ولا سلام خارج هذا الاطار.