عاد ملف ازمة العراق في الايام القليلة الماضية للتحرك داخل مجلس الامن الدولي, بعد ان ظل طيلة الستة اشهر الماضية حبيس ادراج الولايات المتحدة وبريطانيا . وقد جربت هاتان الدولتان, كما يقال, اساليبهما ووسائلهما الخاصة لحل المأزق العراقي, في الفترة الماضية, في كناية عن العدوان الذي شنتاه خلال ديسمبر الماضي. لكن وكما لاحظ ذلك حتى الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان في مقابلة له اخيرا بصحيفة الحياة اللندنية (21 يونيو 1999) فإن تلك الوسائل والاساليب لم تؤد الى نتيجة. وفي هذه المقابلة نفسها ايضا, اعتبر عنان بأن على الامم المتحدة ان تجد وسيلة للتحرك الى الامام, فالوضع القائم ليس فقط صعبا للعراقيين وانما هو ايضا صعب للمنطقة كلها. ينبغي القول اذن ان هذه الحركة التي دبت حديثا في مجلس الامن ليس باعثها الخوف على مصير الشعب العراقي او القلق من آثار الحصار الظالم المفروض عليه منذ تسع سنوات, وانما باعثها هو فشل الولايات المتحدة وبريطانيا في تحقيق سياساتهما تجاه بغداد. الغريب في الامر والمثير فيه كذلك ان مجلس الامن قد ترك هاتين الدولتين تتصرفان على هواهما منذ ديسمبر الماضي, رغم ان الوسائل التي اتبعاها كانت منافية لقرارات مجلس الامن ولمواثيق الامم المتحدة بما في ذلك مناطق حظر الطيران غير الشرعية فوق شمالي وجنوبي العراق. وبالمثل فإن التدخل في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة ومحاولة تغيير نظامها بالقوة, بعيدا عن مظلة القرارات الدولية ذات الصلة بحرب الخليج الثانية, جميع هذه الوسائل, ما كان ينبغي لمجلس الامن ان يقف ازاءها عاجزا وصامتا حتى الآن. فكيف الحال اذا كان ثمة مباركة لها ودعم ضمني, تمثلت في مقولة: ان من العدل اعطاء الامريكيين والبريطانيين الوقت والفرصة كي يحلوا المشكلة بطريقتهم واساليبهم! فهل هو اعتراف من المنظمة الدولية بأن ملف العراق يخص هاتين الدولتين؟ ام هو اعتراف بانسحاق الامم المتحدة ومجلس الامن امام الهيمنة الامريكية وتابعها البريطاني! هذا على اية حال موضوع آخر نتركه لمقالات قادمة. ما يهمنا هنا هو الحديث عن المشاريع الحالية المطروحة في مجلس الامن, نقصد المشروع البريطاني الهولندي والمشروع الفرنسي (المعدل بصيغة روسية صينية) . اذا جاز لنا ان نبسط الامور سنقول بان فحوى المشروع الاول يتمثل في تشكيل لجنة تفتيش جديدة على انقاض لجنة اليونسكوم, تكمل عمل هذه الاخيرة في مقابل تلميحات بامكانية تعليق الحظر النفطي في حال قالت هذه اللجنة ان العراق اصبح خاليا من اسلحة الدمار الشامل. وخلال ذلك يسمح للعراق بأن يتعاقد مع شركات اجنبية للاستثمار في حقوله النفطية بغرض التنقيب والتطوير, وامكانية زيادة حصته من التصدير تحت اشراف الامم المتحدة. اما المشروع الفرنسي ( المعدل) فهو ينص على امكانية تعليق العقوبات مدة مائة يوم بمجرد وصول لجنة التفتيش الجديدة للعراق, ويستمر تجديد تلك المدة من جانب مجلس الامن مادام العراق متعاونا مع اللجنة التي يجب ان تستغل هذه الفترة كي تخبر المجلس بنتائج عملها وعلى ضوء ذلك يتقرر مصير الحصار النفطي, وتتقرر الخطوات اللاحقة. ويركز المشروع الفرنسي بصورة اساسية على مسألة الرقابة الدائمة على التسلح العراقي, وربطها برفع العقوبات النفطية كاملة. واذا جاز لنا ان نستخلص بعض النقاط من المشروعين المذكورين فسوف نوجزها في التالي: اولا المشروع البريطاني: انه لايعترف بما انجز حتى الان في ميدان التفتيش على الاسلحة في العراق. * يبقى بصورة ضمنية مسألة رفع العقوبات رهنا بقرار لجنة التفتيش الجديدة. * لايضع اي جدول زمني سواء لعمل اللجنة المذكورة, او لرفع العقوبات. * يرهن اي زيادة في صادرات النفط العراقية, بعودة الاحتكارات النفطية البريطانية والامريكية الى العراق. وكما يتضح فان المشروع البريطاني الهولندي هو خطوة للوراء بالنسبة للقرار الدولي 687 نفسه, الذي ينص على وجوب رفع العقوبات النفطية بمجرد ان تستكمل عملية نزع سلاح العراق. ومن ثم فان المشروع يهدف الى اعادة مسألة التفتيش على السلاح الى مربعها الاول وكما كانت الحال ايام لجنة اليونسكوم. أما المسألة الايجابية الوحيدة في هذا القرار فهي الاشارة إلى امكانية (تعليق العقوبات) وهي اشارة جديدة بالنسبة للخطاب البريطاني قياسا بالحديث المستمر عن تغيير النظام في العراق, وربط رفع الحصار بتغيير النظام. لكنها ليست جديدة من الناحية الجوهرية, لأنها متضمنة في القرارات الدولية ذات الصلة (القرار 687). وفي النهاية فان تعليق العقوبات هنا مشروط برأي اللجنة المذكورة التي قد تماطل في عملها, وقد لا توصي بذلك أبدا. ثانيا: المشروع الفرنسي المعدل: ــ يعترف هذا المشروع بما انجزه العراق طوال فترة الثماني سنوات الماضية على صعيد ازالة أسلحة الدمار الشامل. ــ يكافئ استقبال العراق للجنة التفتيش الجديد بتعليق العقوبات النفطية مدة مائة يوم قابلة للتجديد, ويرهن هذا التجديد بتعاون السلطات العراقية مع اللجنة. ــ يحدد مدة زمنية لعمل هذه اللجنة (وهي مائة يوم) ترفع بعدها تقريراً لمجلس الأمن تشرح فيه نتيجة عملها. ــ في حال جاء تقرير اللجنة ايجابيا يتم الانتقال إلى جانب الرقابة الدائمة على التسلح العراقي, وفي الوقت نفسه يباشر برفع الحصار النفطي. ــ أما رفع الحصار الشامل فهو رهن بتنفيذ باقي قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحرب الخليج. وكما نلاحظ هنا فإن الفرق بين المشروعين شاسع وكبير, لجهة الوسائل والأهداف, أما النوايا فهي تكشف نفسها بنفسها وبما لا يعطي المرء أي مجال للتأويل أو اللبس. على أية حال هناك ترقب وحذر تجاه سير مناقشات مجلس الأمن, وأي المشروعين سينجح في الحصول على الاجماع داخل المجلس, الذي قد يلجأ في نهاية الأمر إلى تبني صيغ وحلول وسط. البريطانيون بدءوا يتحركون بنشاط لدعم مشروعهم, تساندهم في ذلك الولايات المتحدة التي أيدت هذا المشروع, فيما تحاول هذه الأخيرة ان تتكفل بحشد دعم عدد من الدول العربية له, واقناعها بضرورة الوقوف خلفه والترويج له. من الجهة الأخرى تعمل فرنسا والصين وروسيا على توحيد مواقفها, ومواصلة مساعيها للحيلولة دون تفرد الولايات المتحدة وبريطانيا مرة أخرى بحل المشكلة العراقية. ينبغي القول هنا بأن الامر المهم في الحقيقة ليس فيما اذا كان مجلس الامن سوف يتبنى هذا المشروع او ذاك. الراجح انه في ضوء الاختلافات الحالية قد لا يتمكن هذا المجلس قريبا من الوصول الى قرار محدد. لكن الاهمية تكمن في تحريك الملف العراقي نفسه من جديد واعتراف الدول الكبرى بضرورة البحث عن حلول جدية للوضع الراهن. فذلك باعتقادنا يعبر عن جملة حقائق من بينها: اولا: فشل سياسة العدوان التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق. ثانيا: عجز هاتين الدولتين عن الاضطلاع بتقديم اي حل عملي ومتماسك للمشكلة العراقية, وما اللجوء الى استخدام القوة والمؤامرات الاستخبارية سوى دليل على ذلك العجز. ثالثا: الحاجة الملحة للتخفيف من آثار العقوبات الكارثية التي تفتك بالعراقيين, سيما في ضوء فشل صيغة النفط مقابل الغذاء عن تحقيق اهدافها. هذه الحقائق هي التي من شأنها مع الوقت تنمية القناعة لدى مختلف دول العالم بضرورة معالجة الازمة العراقية بصورة تؤدي الى رفع الحصار الظالم المفروض على العراق في نهاية المطاف. ويبدو ان التحرك البريطاني الامريكي في مجلس الامن هو محاولة لاجهاض هذا المسعى وتطويقه ليس الا.