تناول الجزء الأول من هذه الدراسة الامكانيات والموارد الاقتصادية المتاحة, وكيفية استثمارها وتوظيفها من خلال التخطيط الاستراتيجي المدروس والتعرف على البيئة الاقتصادية والسياسات الاستثمارية الملائمة في ضوء معطيات هذه البيئة.. وهنا الجزء الثاني من الدراسة .. لما كان الحضور الاجنبي قويا في الهيمنة الاجنبية على قطاع التجارة والأعمال في الامارات, فإن معظم مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية العاملة في الدولة هي مكاتب أجنبية, إذ يظل اعتماد المستثمرين الاجانب على بيوت الخبرة الاجنبية سواء العاملة في الدولة أو من خارجها مستغلة نقص الكوادر المواطنة في هذه المكاتب ومحدودية خبرتها, وهذا ما يدفع معظم المكاتب الوطنية المتخصصة في دراسات الجدوى الى غلق أبوابها لعدم وجود الدعم الحكومي لها, ولعدم ثقة المستثمر المواطن والاجنبي في هذه المكاتب, وبالتالي يفسح المجال للمكاتب الاجنبية للعمل في السوق. ومن خلال قراءة سريعة لمكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية العاملة في الدولة يتضح ان هناك مكاتب لديها ترخيص لمزاولة مهنة دراسات الجدوى الاقتصادية, ولكن بسبب عدم الاقبال على دراسات الجدوى فإنها تقوم بمهام غير المهام المرخصة لها, إذ تزاول نشاط شركات التدقيق المالي أو شركات الدراسات التقنية أو الدراسات التسويقية, وذلك لأن مفهوم دراسات الجدوى الاقتصادية مفهوم شامل. وهذه المكاتب تمارس كل هذه الانشطة, الأمر الذي يخلق نوعا من التضليل للعاملين في سوق المال والأعمال. ويتضح ايضا من خلال قراءة سريعة لواقع مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية العاملة في الامارات ان بعض هذه المكاتب غير مسجلة في غرفة التجارة, من منطلق ان التسجيل في غرف التجارة غير مجد ولا يضيف لها شيئا سوى دفعها لرسوم الاشتراك السنوي, وهذا ما يجعلها لا تخضع لشروط التسجيل التي تجعل منها مكاتب ذات اختصاص وخبرة تنظيمية. كما يتضح ان مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية لا تستطيع تسويق نفسها لأن عملها يرتبط ببرنامج زمني قد يطول, لأن نتيجة أعمالها أو خدماتها لا تظهر الا بعد دخول المشروع في مراحله التنفيذية والانتاج الفعلي, وبالتالي فإنها تعاني من ضعف ابراز دورها أو تسويق نفسها في سوق الأعمال. خدمات آنية يلاحظ ان بعض هذه المكاتب, لاسيما تلك التي تفتقر الى الخبرة العلمية والدقة في قراءة هيكل الاقتصاد الوطني والمتغيرات الاقتصادية وسمات البيئة الاقتصادية والاجتماعية وأذواق المستهلك ومدى حاجة المجتمع الى نوعيات معينة من السلع والخدمات, تقوم بتقديم دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات معتمدة على الوضع الآني دون دراسة الأوضاع الاقتصادية المستقبلية والتكلفة الاجتماعية التي قد تطرأ على المشروع والتي كثيرا ما تؤدي الى فشل المشروع عندما يدخل مراحله التنفيذية, كما ان المستثمر الاجنبي الذي يرغب في الاستثمار داخل الدولة معرض ان يقع على مكاتب ضعيفة الخبرة وليست لديها دراية أو معرفة دقيقة بأوضاع السوق, تقوم بتقديم دراسة ضعيفة تؤدي الى تعرض هذا المستثمر للخسارة, وبالتالي تعرض الاقتصاد الوطني والمناخ الاستثماري لسمعة ليست جيدة. ناهيك عن ان هناك مشاريع قد حققت نجاحا في انتاج سلع وخدمات, ولكنها فشلت في تسويق تلك السلع أو الخدمات لأنها لم تقم على دراسة دقيقة لواقع السوق المحلية واحتياجات المجتمع. ومازالت مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية العاملة في الامارات تمارس نشاطها بالعقلية التجارية, إذ انه وفي ظل غياب الهدف وغياب رقابة السلطات المعنية وفصل المهم بين مكاتب الدراسات والمكاتب الفنية الاخرى, فإن المنافسة تحتدم فيما بينها, الأمر الذي ينعكس سلبا على نوعية الخدمات التي تقدمها المكاتب, فضلا عن ان بعض هذه المكاتب يفتقر الى الجوانب التنظيمية والتخصصية واعتماد الاساليب العلمية في دراسة الجدوى. بسبب محدودية العقلية الاستثمارية التي تحكم أعمال المستثمرين العرب ولاسيما المستثمر الاماراتي في قطاع الأعمال والمال, فإن هؤلاء المستثمرين ما زالوا يثقون في مدى أهمية دراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع, فيتعمدون في تنفيذ مشاريعهم الاستثمارية اعتمادا على ذات تفكيرهم أو على آراء شخصية يستقونها من بعض المقربين لهم أو ذوي الخبرة المحدودة, الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان الى فشل مشاريعهم, اذ ان نجاح شخص ما في مشروعه لا يعني بالضرورة نجاح الآخرين في مشاريعهم المماثلة, بسبب اختلاف الظروف المكانية والزمنية والكفاءة الادارية والعلمية في الادارة. وما زال البعد الاجتماعي يأخذ أهمية كبيرة لدى شريحة من المستثمرين, حيث يعمد البعض الى تنفيذ المشروعات الاستثمارية التي تحقق رغبة نفسية لديه او اشباعا نفسيا عنده, كالحضور الاجتماعي (البرستيج) وفي هذا الشأن يلجأ الى مكاتب ضعيفة تحقق له ما يريده من الدراسة, وتفصل له مشروعا أو دراسة لمشروع يحقق رغبته النفسية دون مراعاة الأسس العلمية في الدراسة. وتعتبر الاتعاب التي تتقاضاها مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع باهظة, الأمر الذي جعل المستثمر لا يلجأ الى هذه المكاتب ذات المستوى الجيد والخبرة والتميز, ويعتمد في مشاريعه على دراسات جدوى تعدها مكاتب ضعيفة المستوى, أو يعتمد على الأشخاص المقربين كما أسلفنا الذكر, أو لا يعتمد على دراسات جدوى بالأساس, وهذا من شأنه ان يضعف المشروع وقد يؤدي الى فشله. الوعي المجتمعي تتصف نظرة المجتمع الى مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية بالنظرة الضيقة المحدودة, ويعزى ذلك ليس الى ضعف الوعي لدى أفراد المجتمع لهذه المكاتب فحسب, وانما لعدم قيام هذه المكاتب في الاساس بالمساهمة في صياغة الوعي بابراز دورها وأهميتها, إذ لا تقوم بتعريف الدور الذي تقوم به وأهمية هذا الدور ولا تعمل على تنظيم مؤتمرات علمية وندوات تثقيفية في أوساط المستثمرين خاصة للتعريف بالدور المنوط بها, وما مدى أهمية دراسات الجدوى في تحقيق أهداف الاستثمار. ان عدم ثقة المؤسسات الحكومية المحلية وكذلك الشركات الوطنية القائمة والمستثمرين المواطنين والمقيمين في مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية القائمة في الامارات, والتشدق بمكاتب الدراسات في الدول الأجنبية, جعلت تلك الجهات تسند معظم الخدمات والدراسات الى مكاتب وبيوت الخبرة الاجنبية التي تكون المستفيدة, بالرغم من ان تكليف المكاتب الأجنبية هذه باعداد دراسات الجدوى يجعل المصانع والشركات والمشاريع المعتمدة على دراسات الجدوى من مكاتب أجنبية غير مقيمة سرعان ما تواجه صعوبات جمة, خاصة عند مراحل التنفيذ. والسبب في ذلك يعود الى ان مكاتب الدراسات غير المقيمة لا تدرك خصوصية الوضع الاقتصادي وحتى الاجتماعي في الدولة, حيث نجد ان المكاتب غير المقيمة هذه تقوم بتقديم دراسات ذات تقنية عالية, وهذه التقنية العالية تتطلب خبرات أجنبية عالية, ويتضح عند قراءة مشروع الدراسة انها منسقة, ولكن عند التطبيق يتضح ان هذه الدراسة تغفل طبيعة الاقتصاد وبيئة البلاد الاجتماعية والاقتصادية, ولاسيما اذا كانت منتجات هذه المشاريع للايفاء بمتطلبات المجتمع المحلي, اذ ان هذه المكاتب الأجنبية غير المقيمة تفتقر الى الدراية بالجوانب التسويقية للمنتج لعدم معرفتها بخصوصية السوق المحلية, هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن بعض المكاتب الأجنبية غير المقيمة تستغل ثقة المستثمر المحلي فيها, سواء كان مؤسسة أو شركة مساهمة, أو مستثمرا فردا, وتقوم هذه المكاتب بنسخ مشاريع منفذة فعليا في أوروبا او افريقيا أو دول ذات قدرة تقنية عالية أو ظروف بيئية معينة ومختلفة عن بيئة الامارات. وتقدم هذه المشاريع الى هذه الجهات لتنفيذها في الامارات, دون مراعاة للاعتبارات البيئية وحتى الزمنية, الأمر الذي يؤدي الى فشل هذا المشروع أو توقفه بعد مرحلة معينة من التنفيذ, ومثال على ذلك ان هناك مشروعا صناعياً أقيم في احدى الامارات بلغت تكاليفه 17 مليون درهم, ولكن بسبب عدم دراية المكتب الأجنبي بالظروف البيئية والجوية في الامارات قام باستنساخ مشروع قائم في بلد أوروبي (السويد) واقناع المستثمر المحلي في الإمارة به, وتم انشاء المشروع وعند التشغيل تبين ان الدراسة لم تراع درجة حرارة الجو هنا, فكلف اصحاب المشروع ستة ملايين درهم أخرى لاعادة تصليحه بعدما توقف عن العمل!! وفي ظل غياب الرقابة على مكاتب دراسات الجدوى والمكاتب الفنية الأخرى, فإنه لم ينتج تداخلات بين هذه المكاتب وتضارب اختصاصها فحسب, وانما قيام البعض باعداد دراسات جدوى من منازلهم دون معرفة للأسس العلمية في الدراسات في هذا الشأن, بل ان غياب الرقابة جعل بعض المستثمرين الأجانب يقوم بتنفيذ مشاريع من أجل تحويلها الى مكاتب للتأشيرات!! معوقات أساسية تتضافر عدة عوامل مختلفة, تعيق العمل الاستشاري في الدولة, ومنها: غياب الوعي الاستثماري في مجتمع المال والاعمال بالامارات العربية جعل الكثير من المستثمرين ولاسيما الصغار منهم لايدركون أهمية دراسات الجدوى الاقتصادية, الامر الذي يؤدي الى ضعف الاقبال على مكاتب دراسات الجدوى بالدولة وبالتالي عدم قيام هذه المكاتب بتطوير آلية العمل بها, سواء من حيث تكوين قاعدة من المعلومات أو تعيين خبراء ومحللين اقتصاديين, لان في ذلك تكلفة على مكاتب الدراسات. وفي ظل غياب الرقابة الحكومية على المهام التي تقوم بها بعض مكاتب التدقيق والمراجعة في الدولة, فإن هذه المكاتب تقوم بتقديم خدمات من ضمنها دراسات الجدوى الاقتصادية, الأمر الذي يعني منافسة مكاتب التدقيق والمراجعة لمكاتب الدراسات الاقتصادية ناهيك عن قيام بعض الأشخاص ومن خلال منازلهم بدراسات جدوى اقتصادية تفتقر في بعض الأحيان الى الشفافية والعلمية, وهذا يعني منافسة هؤلاء لمكاتب الدراسات الاقتصادية. ولما كانت دراسات الجدوى الاقتصادية كنشاط لا تتحقق فاعليتها أو التأكد من حقيقة مصداقيتها الا عندما يدخل المشروع في مراحل التنفيذ, فإن سوق الاعمال والمال لا يستطيع فرز المكاتب الجيدة من المكاتب التي تفتقر الى الخبرة والمصداقية الا بعد مرور فترة زمنية من التطبيق وادخال المشروع الى المراحل الفعلية للعمل. وبما ان الترخيص لمكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية يتم من قبل الدوائر الاقتصادية دون وجود معايير دقيقة وعلمية تحكم الخدمات التي تقدمها هذه المكاتب, فإن تزايد المكاتب ذات الخبرة المحدودة والامكانيات الضعيفة التي تزاول نشاطها وتنافس المكاتب الجيدة في السوق, يجعل السوق معرضة للكثير من المشاكل والاختناقات. وتجد مكاتب دراسات الجدوى الاقتصادية العاملة في الامارات منافسة فعلية من قبل بعض الجهات الحكومية, كغرف التجارة التي تقوم بتقديم دراسات جدوى للمشاريع ولاسيما المشاريع الصناعية, وذلك من خلال دوائر البحوث التابعة للغرف ومنها غرفة تجارة وصناعة دبي التي تقدم دراسات واستشارات اقتصادية للمستثمرين دون أي مقابل, وكذلك المصرف الصناعي الذي يقوم بدوره بتقديم دراسات أو استشارات اقتصادية للمستثمر الذي يرغب في اقامة مشروع صناعي, وبالتالي يجد المستثمر حينها دراسة أو استشارة من قبل هذه الجهات دون أن يدفع اتعابا. ولما كانت دراسات الجدوى الاقتصادية التي تقوم بها المكاتب تحتاج الى معلومات دقيقة وبيانات جيدة, فإن عدم توفر هذه المعلومات والبيانات يشكل عقبة كبيرة في مستوى الدراسة وجودتها, ويعزى ذلك الى عدم تزويد الجهات الحكومية من دوائر ووزارات ومؤسسات لهذه المكاتب بحاجتها من البيانات والمعلومات, كما ان الخبراء العاملين في تلك المؤسسات وخاصة الحكومية يتخوفون أحيانا من اعطاء أو تقديم المعلومات والبيانات المطلوبة. * كاتب وباحث اقتصادي من الامارات