منذ انطلاق مفاوضات السلام في مدريد العام ,1991 ازداد الاهتمام العربي بالاوضاع الداخلية الاسرائيلية, فمنذ ذلك الوقت اسقط العرب خيار الحرب مع اسرائيل, واصبح السلام هو الاستراتيجية التي تبنى عليها السياسات العربية , ولا يعيب سياسة الاستراتيجية السلمية العربية سوى انها لا تستند الى اية استراتيجية للتعاطي مع اسرائيل, ومع الاوضاع التي ستستجد بعد انجاز التسوية, ففي الوقت الذي لم يكن هناك استراتيجية واضحة ايام خيار الحرب, الذي كان خياراً نظرياً, لم يستطع العرب وضعه حيز التنفيذ, كذلك الامر مع عملية السلام, فهي استراتيجية عربية غير واضحة المعالم, ولم يتم صياغة ادوات واضحة لجعل هذه الاستراتيجية صالحة للتنفيذ, فيبقى الكلام مرسلاً, دون محاولة الاجابة عن السؤال الاساسي, كيف نستطيع التأثير على اسرائيل بتحرك عربي مشترك لفرض السلام عليها, وما الذي يريده العرب لمستقبل المنطقة بعد التسوية؟ ان افتقاد العرب لجواب واضح على هذا السؤال جعلهم يبنون هذه الاستراتيجية على التغيرات في الخارطة السياسية الاسرائيلية, مما زاد الاهتمام المبالغ فيه بالاوضاع الداخلية الاسرائيلية واصبح من الواضح ان الاوضاع الداخلية الاسرائيلية هي المتحكم الرئيسي في عملية السلام, على قاعدة ان من يملك خيار الحرب يملك خيار السلام, ومن لا يملك خيار الحرب لا يملك خيار السلام, ولافتقاد العرب لخيار الحرب مع اسرائيل, انتقل مصير العملية السلمية كلياً الى الطرف الاسرائيلي, فعندما يصعد حزب العمل الى السلطة في اسرائيل يصبح طريق السلام مفتوحاً على مصراعيه, ويندفع العرب في تقديم الاشارات الايجابية واتخاذ الخطوات لتشجيع الحكومة الاسرائيلية على التقدم في عملية السلام, دون التدقيق الجدي في خيارات حزب العمل السلمية ومدى استجابتها للحقوق العربية وتدفع السياسات الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الى اعطاء النصائح للعرب والضغط عليهم للتقارب مع اسرائيل لانقاذ عملية السلام, ودفعها الى الامام, وعندما يصعد الليكود الى السلطة, لا يجد العرب امامهم سوى سياسة الانتظار من اجل عودة حزب العمل الى السلطة في اسرائيل, لان سياسات الليكود المتعنتة تسد الطريق تماماً امام التقدم في عملية السلام. ولان العرب يفتقدون الى الخيارات الاخرى, تبقى سياسة الانتظار وحدها قائمة, حتى يحصل تغير لا يد للعرب فيه, يعود الى دفع عملية السلام مرة اخرى. وفي مثل هذا الوضع يصبح الوضع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة حياديا, ولا يمارس أي ضغط على اسرائيل لجعلها تلتزم بأسس عملية السلام المطروحة. ولأن العرب لا يملكون وسائل الضغط على الوضع الدولي, الذي بدوره يستطيع الضغط على اسرائيل, فلا يصبح أمام العرب سوى سياسة الانتظار لعودة ائتلاف سياسي الى السلطة في اسرائيل يرغب في تقدم عملية السلام. أعطت هذه الظروف العربية اسرائيل القدرة على التحكم بمستقبل المنطقة سواء على صعيد خيارات الحرب أم على صعيد خيار السلام, فقد ارتبطت المشاريع الدولية لاعادة ترتيب المنطقة سواء المشروع الشرق أوسطي الاسرائيلي ــ الامريكي, أو مشروع الشراكة الاوروبية ــ المتوسطية, بعملية السلام, وبذلك مع غياب ارتباطات المشاريع الساعية لترتيب أوضاع المنطقة مع المصالح الاسرائيلية, فإن فرصة نجاح مثل هكذا مشاريع معدومة. وفي الوقت الذي تصيغ اسرائيل القدرة على التحكم فيها, مما يعطيها دورا اقليميا واسعا, يستنكف العرب الذين يفتقدون الى مشروع جدي يسعى الى ترتيب أوضاع المنطقة ويعطيهم حقهم ودورهم الاستراتيجي الذي يستحقونه في منطقتهم, فإنهم يفتقدون ايضا لآليات التنسق الجدية التي تجعلهم يدخلون في مشاريع الآخرين كقوة موحدة لها مصالح واضحة تسعى للحفاظ عليها في اطار أي ترتيبات تستهدف المنطقة. ففي الوقت الذي تسعى اسرائيل وأطراف اقليمية اخرى غير عربية الى ايجاد موقع استراتيجي لها في المنطقة. غير ان العرب يدخلون متفرقين الى مشاريع الآخرين, ومن مواقع سلبية غير فاعلة, بحيث يكون ذلك على حساب مصالحهم. أصبح من الملح والضروري ان يعيد العرب النظر بصياغة مستقبلهم, على مستوى كيفية التعاطي مع عملية السلام من الموقع الجماعي, وكيفية التعاطي مع كل الترتيبات المقترحة لما بعد عملية السلام, فالصياغة الاستراتيجية للمنطقة تتجاوز عملية السلام. لذلك على العرب ان يحددوا مستقبلهم بارادة عربية, وفي هذا الاطار لابد من تجاوز الأوضاع السلبية العربية للوصول الى اتفاق حول رؤية العرب لأنفسهم ولدورهم الذي يستحقونه وألا يترك مصير المنطقة للأطراف غير العربية وعلى رأسها اسرائيل. * كاتبة فلسطينية