وتظل البرازيل والارجنتين حالة دالة ومعبرة على امكان الانتقال بالجهد السياسي والعمل التفاوضي والاجراءات الرشيدة من مستوى الصراع.. الى حيث اصبحتا نموذجا يحتذى في العلاقات الدولية عندما قامت كل من الهند وباكستان بتفجير اجهزتهما النووية مايو من عام 1998, جهدت قوى عديدة على المسرح الدولي في مساع لاحتواء هذا العامل النووي الخطير الذي يهدد أمن واستقرار جنوب شرقي آسيا, فيما يهدد ـ بالنسبة لكياننا العربي ـ منطقة الحدود الشرقية للوطن العربي ـ الجزيرة العربية والخليج بآثار وعواقب سلبية على طول الخط وخاصة في ضوء وجود حدودنا الشرقية في حال جوار او متاخم لشبه الجزيرة الهندية, ورغم ما لجأت اليه الامم المتحدة وخاصة الوكالة الدولية للطاقة الذرية (مقرها في فيينا) من مناشدات وبذل جهود معنوية وسياسية في معظمها لحمل القوتين الاقليميتين الكبيرتين في منطقة جنوب شرقي آسيا ـ الهند وباكستان ـ على الانضمام الى منظومة عدم انتشار الاسلحة النووية (معاهدة عدم الانتشار وآليات تنفيذها وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية واجراءات التفتيش الدوري على المنشآت ذات الصلة في مختلف الاقطار) ورغم ما اختارته الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية من جانبها على طرفي شبه القارة الهندية, في محاولة للضغط الملموس على صانعي القرار فيهما ـ رغم هذا كله, فإن الباحثين المهتمين بالقضية يكادون يجمعون على ان احتواء النزاع في شبه القارة الهندية ومن ثم قطع الطريق على اندلاع محرقة نووية بين اكبر طرفيها انما يتحقق بجهود تقوم على محور أساسي هو: الاتفاق على تدابير من شأنها بناء الثقة بين الطرفين. للصراع جذور عميقة والمحللون المعنيون ينطلقون في هذا الصدد من مقولة صحيحة وهي ان صراع الهند وباكستان ليس وليد اليوم ولا هو نتاج الأمس القريب, كما انه لا يصدر عن مجرد حزازات مرحلية أو لأسباب وقتية من اليسير ازالتها, انه صراع على نحو ما اسلفنا في حديثين سابقين, ينبع من جذور تاريخية ـ طائفية واثنية (عرقية) وشعوبية (تعصبية) وكلها بمثابة نار تاريخية صبوا عليها زيوت كثيرة فزادتها اضراما واذكتها اشتعالا, ويكفي للتدليل على ذلك انه على امتداد الاعوام الاثنين والخمسين ـ منذ حصول باكستان على استقلالها عن الهند في عام 1947, خاض البلدان ثلاث حروب دامية في عامي 1947 و 1965 وثم في عام 1971 وكانت الحربان الأولى والثانية بشأن النزاع الحدودي دون الاقليمي على منطقة جامو وكشمير وقد عاد هذا النزاع ـ الذي ظل غير محسوم على امتداد نصف القرن ـ ليطل برأسه من جديد, ولكن بصورة أفدح خطرا هذه المرة بحكم دخول الطرفين المتنازعين في عضوية نادي اقتناء السلاح النووي. يقول البروفيسور راجا رامانا, استاذ التسلح النووي الهندي ان شهر اكتوبر عام 1997 شهد أول طرقة من يد الهند على أبواب نادي الصفوة من الحائزين على الأسلحة النووية, وهو النادي الذي أعلن انشاؤه في عام 1970 عام توقيع معاهدة منع (أو حظر ) انتشار الأسلحة النووية واعترفت المعاهدة ايامها باحتكار عضويته بين خمس دول فقط لاغير هي: أمريكا وروسيا (الاتحاد السوفييتي) وفرنسا وانجلترا والصين ويومها رفضت كل من الهند وباكستان التوقيع على المعاهدة المذكورة بدعوى ان بنودها يمكن ان تغلّ ايدي كل منهما عن حماية مصالحها القومية. الهند من جانبها عملت على اضافة عنصر معنوي ــ هل نقول اخلاقي ـ إلى هذا الرفض حيث قالت ان المعاهدة المذكورة تكيل بمكيالين وتقوم على أساس معيار مزدوج لأنها تسمح للدول النووية ان تظل .. نووية, ولكنها تعمل في الوقت نفسه على الحيلولة بين الدول النامية وبين ان تحوز أو تطور أسلحة نووية, ويمكن من جانبنا العربي ان ننظر إلى المعاهدة المذكورة من نفس المنظور فهي تحظر على الدول العربية الموقعة عليها ان تحوز أسلحة نووية, فيما تترك للعدو الصهيوني في اسرائيل المجال مفتوحا لحيازة وتطوير السلاح النووي حيث ترفض اسرائيل التوقيع على المعاهدة المذكورة وتتحاشى التعامل معها.. دون ان تخشى لوما او تثريبا او عقابا من اي نوع ومن أى جهة ويزيد العنصر النفاقي في (الحالة) العربية من واقع ما نشهده حاليا من خنق الشعب العربي في العراق بكل انواع العقوبات والجزاءات بدعوى انهاء تسلحه النووي فيما يترك الحبل على الغارب امام اسرائيل التي تمارس (الفعل) النووي جهارا نهارا وتتستر على ذلك القوى الكبرى نفاقا واغضاء وسكوتا وتدليسا. حقيقة التدخل الجغرافي على ان امر التسلح النووي يكتسب مزيدا من الخطورة في حالة الهند وباكستان بحكم حقيقة الجوار الجغرافي بين الطرفين وهو جوار يصل الي حد التداخل والتمازج والمتاخمة الجغرافية, الحدودية, الديمغرافية بكل معنى ومن هذا ان اي نزاع او (اشتباك) بالسلاح النووي لن يكون فيه بالقطع لا غالب ولا مغلوب, لا على جبهة الهند ولا على صعيد باكستان. الاستاذ توبي دالتون الباحث في معهد السلام الدولي في واشنطن, يدرس هذا الجانب من صراع الهند وباكستان, ويحاول تقريب الصورة من خلال نموذج مماثل في الصراع الاقليمي وهو نموذج دولتين جارتين في قارة نامية وهما البرازيل والارجنتين في امريكا اللاتينية. ان الباحث الامريكي يدعو الى تركيز الجهود العالمية داخل الامم المتحدة وخارجها من اجل ان يتم بناء الثقة وازالة او تقليص البعد النووي في حالة الهند ــ باكستان, وذلك على ضوء الدروس المستفادة والايجابية ايضا من الحالة المقارنة وهي حالة البرازيل ــ الارجنتين اضافة الى حالة دولة وحيدة كانت منغمسة حتى أم رأسها, كما يقولون, في حمأة وحمى النشاط والتسلح النووي وبعدها امكن, بفضل جهود داخلية ودولية حقيقية ازالة الطابع النووي من نشاطها وهذه الدولة اسمها جنوب افريقيا طبعا في ظل الزعامة التاريخية لرجل له رسالة قومية وتاريخية اسمه نيلسون منديلا. نموذج البرازيل ــ الارجنتين في حالة البرازيل ــ الارجنتين, كانت الدولتان قد بدأتا نشاطهما النووي منذ عقد الخمسينات ولكن, والشهادة لله, كان ذلك للاغراض المدنية غير العسكرية, مع ذلك فما لبثت الامور, مع تأزم الاوضاع والنزاعات الحدودية بين ريودي جانيرو وبوينس ايرس, ان اكتسبت الطابع العسكري مما هدد الكيان القوي في كل من البلدين وهدد بالتالي السلام الاقليم في منطقة امريكا الجنوبية بأسرها هكذا رفض الطرفان كلاهما الانضمام الى معاهدة (تلاتيلولكو) التي ابرمت في عام 1968 لحظر الانشطة النوية في قارة امريكا اللاتينية, كما رفضا الانضمام الى معاهدة حظر الانتشار التي المحنا اليها آنفا في عام 1970, ومن ثم رفضا الانصياع الى ضمانات وتفتيشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية, وسط هذا المناخ من التحفز والتوتر شرعت المؤسسة العسكرية في كل من البرازيل والارجنتين في استكشاف خيار القدرة النووية وكان في هذه الجهود ما حفز اطرافاً شتى داخلية واقليمية ودولية الى التنبه الى العواقب الوخيمة التي يمكن ان تترتب على مثل هذا الخيار. عواقب تمس الامن القومي والمصالح الوطنية وجهود التنمية التي تدعو الحاجة الماسة الى مواصلتها, ناهيك عن ان النشاط النووي والسلاح النووي بشكل عام يهدد وجود البشر وصحة الانسان في الاصل وفي الاساس هكذا بدء الفرقاء في تدابير بناء الثقة بين الطرفين, وكان اول هذه التدابير التوصل من خلال العمل السياسي والمفاوضات الدبلوماسية الى تسوية لنزاعات الحدود وكان ذلك بالتحديد في عام 1979 وعندما وصلت الامور الى منتصف عقد الثمانينات تجسدت جهود بناء الثقة في عامل مؤسسي هو: ــ انشاء لجنة مشتركة بين الارجنتين والبرازيل وكانت اللجنة على مستوى وزيري خارجية البلدين. ــ تبع ذلك زيارات رئاسية واجتماعات قمة في البلدين خصصت تحديداً لبحث القضايا النووية ثم تعمقت مع تعمق بناء الثقة فوصلت الى حد الكشف المتبادل عن المواقع السرية ــ او التي كانت كذلك ــ للنشاط النووي والتبادل العاقل او فلنقل الرشيد للبيانات العلمية ولزيارات العلماء والاختصاصيين في هذا الميدان. ــ افضى الامر في عام 1990 الى ابرام اتفاق بين الطرفين يقضي باعتماد سياسة نووية مشتركة ومن ثم انشاء وكالة او هيئة برازيلية ــ ارجنتينية معنية بـ (جرد المواد النووية وفرض السيطرة عليها) وتتولى هذه الوكالة او الهيئة اجراء عمليات التفتيش والتحقق المشتركة في المرافق النووية لكل من البرازيل والارجنتين. هكذا انجلت غمرات الخطر النووي بين (ريو) و(بوينس) وهكذا افضت تدابير بناء الثقة الى سيادة شعور بالاطمئنان مما ازال الى شعور بالتخوف والترصد والتحفز والرهاب السياسي او العسكري (البارانويا) وتلك كلها مشاعر تسلم الى حالة نفسية مشحونة بكل عوامل التوتر والوسوسة ويتحول فيها عقل صانع القرار الى ما يشبه قنبلة موقوتة موشكة على الانفجار او الى برميل بارود ينتظر اية شرارة ولو صغيرة او مستصغرة مصادمة سيارة على الحدود مثلا, تصرّف أحمق من ضابط صغير مثلا.. وبعدها تقوم قيامة نووية أو يشتعل هولوكوست ذري ولو على المستوى الاقليمي. مزايا مناخ الثقة وسط مناخ بناء الثقة يتصرف أهل السياسة بعقل بارد وعقلية رشيدة توازن بغير توتر أو استفزاز بين العوامل والاحتمالات.. يجيدون قراءة خريطة الواقع المحلي والنسق الاقليمي والأوضاع الدولية بغير ضغوط. وهكذا, ففي حالة النموذج الذي نعرض له, نموذج الارجنتين والبرازيل, بدأت المسألة بنزاعات حدود وخيارات تنطوي على أفدح الاخطار في مجال التسلح النووي, ولكنها ما لبثت عبر عقدين من الزمن. كل هذا مهد الطريق الى ان يأتي عام 1995 فيشهد انضمام الارجنتين الى معاهدة عدم الانتشار النووي, ثم يأتي عام 1998 فيشهد انضمام البرازيل الى المعاهدة الدولية المذكورة, ويظل البلدان في أمريكا اللاتينية ــ كما أسلفنا ــ نحو حالة دالة ومعبرة عن امكان الانتقال من حالة الصراع, وبالجهد السياسي والعمل التفاوضي والاجراءات الرشيدة والحثيثة والدؤوبة, وهي اجراءات مؤسسية حتى لا ننسى, وتلك نقطة جوهرية, بمعنى انها تتأثر بتداول السلطة ولا تغير الوجوه ولا تبدل المسؤولين ولا اتجاهات الأحزاب.. بل إنها تنطوي على عنصر الاستمرارية والاستدامة والاطراد ومن ثم عنصر النضج والتطور وتوخي الهدف الاستراتيجي المنشود لا يغيب عن ناظر المستدل في هذا الموقع أو ذاك, ولا تؤثر عليه حرتقات السياسة الداخلية واهداء تسجيل المواقف العنترية شخصية كانت أو حزبية بل ان ثمة هدفا قوميا يعلي القوم من شأنه ولا ينفكون عن توخيه تحقيقا للصالح القومي والاقليمي على السواء نقول ان البرازيل والأرجنتين انتقلتا بفضل هذه الجهود كلها كي تصبحا نموذجا إلى حين مستوى طيب يحتذى في العلاقات الدولية ولا يتورع الاختصاصيون والمحللون والمراقبون المعنيون بالأمر ــ ونحن منهم ــ على طرحه وتأكيده وخاصة في ضوء احتمالات الصراع ونذر الخطر, وميض النار الذي يوشك أن يكون له ضرام في منطقة شبه القارة الهندية وفيما حولها من أقاليم وتخوم. بنود أجندة جديدة من جانب اخر, فلن يأتي بناء الثقة التي ندعو اليها, الا من خلال وضع اجندة محددة, جدول اعمال نتصور مع الاستاذ الامريكي توبي دالتون انه يشمل بنودا اساسية من قبيل التالي: تسهيل سبل التعاون الفني ـ التقني وقد تساعد في هذا المضمار هيئات دولية لها صفة الحيادية ولامصلحة لها سوى في استتباب الامن والاستقرار على الصعيدين القومي والامريكي, ومن ثم الصعيد العالمي انشاء او استحداث هيئات او وكالات مشتركة بين الاطراف ذات الصلة تعنى بالاجندة النووية ومايتصل بها من شؤون وشجون وتقوم على امر برنامج للتعاون التقني في هذا المجال. حشد تأييد ومؤازرة الرأي العام لاتجاه نبذ التسلح النووي, وفي اتجاه استخدام الطاقة والمعلومات النووية للاغراض السلمية وعملية الحشد هنا انما تبدأ بالقطاعات القيادية في الرأي العام مثل المثقفين والمفكرين والاكاديميين والصحفيين والاعلاميين ومن اليهم من العاملين في مؤسسات الرأي والمشورة الحائزة لثقة اوسع قطاعات الجماهير. * خلق حوافز دولية من معونات وامكانات مادية ومعنوية تقدم لقاء الاخذ بسبل نبذ التسلح النووي والتخلي عن اسلوب التهديد او التلويح بالسلاح الذري. * اشراك المؤسسات الاقليمية والدولية في حل مشاكل وقضايا الامن الحدودي والاقليمي وربما بوسع الهند مثلا ان تقتدي بنموذج جنوب افريقيا في حل وتصفية مشاكلها الحدودية ومنازعاتها الاقليمية مع جاراتها في منطقة الجنوب من القارة الافريقية ومن ثم تطبق الهند هذا النموذج على مشاكلها مع الصين وباكستان والدول النابهة مثل الافراد الاذكياء يتعلم بعضها من بعض ويفيد بعضها من تجارب البعض الاخر. وفي عالم الدول كما في عالم الافراد فليس هناك طرف واحد بعينه يحتكر الحقيقة او يستأثر دون غيره بالحق والقول الفصل واذا كانت هذه المقولة قد صدقت في عالم الامس فما بالك بعالم اليوم الذي تلاشت فيه المسافات وكادت فيه الحدود بين الدول تصبح مجرد مفاهيم ورموز اصبح عالمنا مجرد كرة من زجاج شفاف كما قد نقول.