عندما تشكك اية حكومة في نزاهة الأمم المتحدة قد تتهم بأي اتهام يفيد معنى التحيز غير الموضوعي ضد الهيئة الدولية, لكن كيف يكون الحال عندما يأتي التشكيك من الامين العام للمنظمة نفسه ؟ قبل بضعة أيام أعلن الامين العام لهيئة الامم المتحدة كوفي عنان على الملأ ان (هناك أدلة تشير الى ان مفتشي الاسلحة في العراق تجسسوا لحساب واشنطن) . واذ كان عنان يتحدث الى تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية فإن هذه ليست المرة الاولى التي يعلن فيها مثل هذا الاتهام في حق الامم المتحدة والولايات المتحدة في آن معا, لكن عنان كان هذه المرة اكثر صراحة. المرة الاولى كانت في يناير كانت تسريبا اخباريا ذكرت فيه صحيفة (واشنطن بوست) الامريكية ان عنان حصل على ادلة مقنعة على ان مفتشي الاسلحة التابعين للأمم المتحدة ساعدوا في جمع معلومات للاستخبارات الامريكية (ضمن الجهود الامريكية لاضعاف صدام حسين) . ولم صدر عن عنان منذ ذلك الحين أي تكذيب لهذه الرواية. وليس غرضي هنا القفز إلى المطالبة برفع العقوبات عن العراق فورا على أساس ان مصداقية الأمم المتحدة أصبحت موضع شك في ضوء أقوال الأمين العام.. لكن أقول ان الموضوع من الخطورة بحيث يستوجب التحري والتحقيق. أما أمر رفع العقوبات عن العراق أو استمرارها فإنه ينبغي أن يعتمد على نتيجة مثل هذا التحقيق إذا أجري. والتصريح الأخير لعنان يرفع من درجة هذه الخطورة. ففي اشارته إلى الاتهامات الموجهة إلى أعضاء اللجنة الدولية الخاصة بأسلحة ومواد الدمار الشامل في العراق يقول بالحرف الواحد: (اعتقد ان هناك ما يبرر هذه المزاعم.. ولم تنف واشنطن ذلك) . ويضيف: (كان ذلك مثيرا للقلق لانه لم يضعف لجنة الأمم المتحدة الخاصة فحسب, بل ومن الممكن أن يضعف عمليات نزع السلاح في المستقبل.. سيظل الشك قائما) . وتكتسب خطورة هذه التصريحات زخما أعظم إذا ما أضيفت إليها تصريحات مماثلة سبق أن صدرت عن أحد أعضاء اللجنة نفسها, وهو سكوت ريتر. ويجدر بالذكر ان اتهامات ريتر طالت رئيس اللجنة نفسه, الاسترالي ريتشارد باتلر. ومما يثير الاستغراب انه لم تتخذ اجراءات للتحقيق في أمر هذه الاتهامات على صعيد الأمم المتحدة رغم مرور أكثر من ستة شهور على ظهورها إلى السطح للمرة الأولى.. ورغم ان الإدارة الأمريكية لم تشأ ــ كما قال عنان ــ أن تصدر بيانا بنفيها. إن القضية المطروحة ليست العراق فحسب.. بل هي مصداقية الأمم المتحدة. وليس معنى هذا ان مصداقية الهيئة الدولية ظلت فوق الشبهات في السابق.. أجل لقد تعرضت الأمم المتحدة ووكالتها ومنظماتها ولجانها منذ قيامها قبل نصف قرن إلى انتقادات ومناوشات من هنا وهناك.. لكن الاتهامات الأخيرة بشأن استغلال قوة عظمى للمنظمة الدولية لأغراض التجسس على دول أخرى أعضاء في المنظمة يعتبر أخطر محنة على الاطلاق تطعن في مصداقية المنظمة.. ليس لانها اتهامات مؤسسة ومسببة فحسب, بل لانها أيضا عن الشخصية ذات المسؤولية التنفيذية الأولى والعليا داخل المنظمة نفسها. وما كان للامين العام كوفي عنان ان يعلن هذه الاتهامات على العالم من خلال الوسائل الاعلامية لولا انه احس بأن الموقف صار من الخطورة مما يستوجب الجهر بتفاصيله. وبالطبع فإن الامين العام يجب ان يشكر على غيرته المهنية على العدالة الدولية ومسارها من خلال المنظمة الدولية لكنه بحكم منصبه يجب ان يتخذ خطى اضافية, فهو مطالب بأن يرفع صوته بنغمه اشد حزما لمطالبة مجلس الامن الدولي باتخاذ الاجراءات للشروع في اجراء تحقيق شامل حول الاتهامات... من اجل اتخاذ قرارات تصحيحية في ضوء نتائج التحقيق.