تعتبر المدرسة العامل الثاني بعد الأسرة الذي يصادف الحدث والذي يؤثر ايجابيا أو سلبيا في مجرى حياته, بل من الممكن ان يصبح له تأثيراً بالغاً أكثر من تأثير الأسرة , فالحدث عندما يخرج إلى الحياة فهو يصادف أولا مجتمع الأسرة وينمو فيه وفي ظل مبادىء مختلفة, سواء الحسنة أو السيئة, وبعد ذلك يخرج إلى مجتمع المدرسة فيؤثر فيه ويتأثر به ويمكن ان يقوده إلى طريق الجريمة ويكون عاملا من عوامل ارتكابها. والمدرسة تضطلع اساسا بمهمة التعليم, اي تلقي المعرفة عن طريق القراءة والكتابة اولا, ثم مختلف المعارف والمبادىء ثانيا. وهذا يؤثر الى حد بعيد في حياة الامم حيث يؤدي التعليم بجانب الالمام بالمعارف المختلفة, الى بث القيم والمثل العليا ويشيد بها وباعتناقها في نفوس الطلاب, ولهذا قال افلاطون ان الانسان مجرد حيوان متوحش اذا اغفل تعليمه, فاذا تلقى العلم فان هذا يرجعه الى طبيعته الخيرة ويصبح اليفا وخيرا, وايضا قرر الاديب فيكتور هوجو ان فتح مدرسة يعادل اغلاق سجن, وكل انفاق على التعليم يساعد على البعد عن مسالك الجريمة. وبالرغم من ذلك فإن هناك من يعارض هذا ويذهب في نظرة متشائمة الى ان التعليم يؤدي بالمجرمين الى اتقان وسائل الاجرام وكيفية الهروب من وجه العدالة, وهي نظرة العالم (سيزاري لومبروزو) باعتبار ان نظريته تذهب الى اي دور للعوامل الاجتماعية, ويعتبر ان الجانح حرم بفطرته والتعليم لم يثنه عن المضي في طريق الجريمة بل بالعكس قد يساعده على التمادي في الاجرام باتقانه وتطويره بصورة اكثر دقة. وايا كان الخلاف الفقهي بين العلماء حول اثر التعليم في الظاهرة الاجرامية فإن الاحصائيات في احدى السنوات قد أظهرت ان نسبة الاميين من المجرمين تتجاوز 76.8% وان نسبة من يعرفون القراءة كانت 22.7% اما ذوي المؤهلات فلم يزد عددهم عن 0.5% وكذلك اثبتت الاحصائيات التي تمت على الجانحين في معظم دول العالم ان اكثر 60%, منهم على مستوى دراسي ضعيف, وتكرر رسوبهم في دراستهم, وكان سلوكهم خلال فترة الدراسة ينم عن عدم الرغبة في متابعتها والانقطاع الدائم او المؤقت عنها. كل هذا يدل على ان البحث حول التعليم بصفة عامة والمدرسة بصفة خاصة يشير الى انه من عوامل الاجرام الهامة التي ينبغي الاهتمام بها حتى تكون عامل منع للاجرام وليس عاملا مساعدا له. التعليم والظاهرة الاجرامية اذا كان من الثابت في معظم دول العالم ان غالبية الجانحين لم يصلوا الى درجة مشجعة في الدراسة, لذلك فالتساؤل يثور حول دور التعليم بصفة عامة في انصراف افراد المجتمع عن طريق الجريمة: من الواضح ان الاميين اكثر تعرضا لخطر الانزلاق الى الاجرام من المتعلمين وذلك لعدة اسباب: اولا: المتعلم تساعده ثقافته وتعليمه على التبصر بعواقب الامور وخطورة اشباع حاجاته بسلوك غير مشروع حيث تساعده ملكاته وقدراته على تخطي صعوبات الحياة دون اللجوء الى طريق الجريمة. ثانيا: المتعلم لديه افضل الفرص للحصول على عمل واحتلال مركز اجتماعي معين في المجتمع يفي بمتطلبات الحياة العادية, بعكس الامي وخاصة ان لم يكن له مهنة شريفة مجدية, فانه يكون امام حاجات مادية متعددة, ولايستطيع بمستواه التعليمي ان يشبع هذه الحاجات, وبالتالي يكون من السهل لجوؤه الى طريق الجريمة. ثالثا: بالنسبة الى المتعلم فانه يخشى دائما على عمله ومستقبله الذي اخذ منه كثيرا من الجهد والنفقات التعليمية, لهذا ينظر للافعال غير المشروعة نظرة خاصة لانه يشعر بخطورة فقد كل ما قام به طوال حياته, بعكس الامي الذي يعيش غالبا حياة متواضعة واذا اتيحت له فرصة السلوك الاجرامي فانه يقدم عليها دون ان يشعر بان له مركزا اجتماعيا يندم عليه بضياعه اذا ما اكتشفت جريمته, او انه يحيا حياة اجتماعية خاصة معتدلة ومحترمة ستضيع منه بدخوله السجن, وخاصة انه بعد خروجه من العقوبة السالبة سوف يعود لعمله المهني الخاص دون ان تكون جريمته عقبة له في سبيل استرداد هذا العمل. وبناء على ذلك يمكننا التأكيد على ان التعليم يعتبر احد العوامل المانعة لارتكاب الجريمة, ولكن ليس معنى ذلك ان المتعلمين لايتجهون الى طريق الجريمة ولكن اذا ارتكبوها فمن ناحية اولى عددهم اقل بكثير من غير المتعلمين, ومن ناحية ثانية جرائمهم لها سمات خاصة عن الاميين. فمن الملاحظ ان جرائم القتل والضرب والجرح والاغتصاب غالبا يرتكبها غير المتعلم, اي جرائم العنف بصفة عامة, بينما جرائم التزوير والتزييف والشيك بدون رصيد وقلب نظام الحكم, كلها جرائم ترتكبها غالبا طبقة المتعلمين حيث تحتاج الى نوع من المؤهلات الخاصة من الغش والخداع المتوافر امكانياته لطبقة المتعلمين الى جانب مجموعة من الجرائم الاقتصادية والتهرب الضريبي وجرائم الاموال العامة والتي عبر عنها بجرائم اصحاب الياقات البيضاء كناية على مرتكبيها من ذوي المؤهلات العلمية الخاصة. خلاصة القول ان التعليم بصفة عامة يؤثر في حجم وشكل الظاهرة الاجرامية ولهذا انتهى (لومبروزو) في بحث مقارن لجرائم القتل والسرقة في احدى عشرة دولة اوروبية مختلفة متباينة فيما بينها في نسب التعليم حيث اكتشف ان هناك تناسبا عكسيا بين جريمتي القتل والسرقة, فكلما ازداد عدد المتعلمين في الدولة, كلما قلت جرائم القتل وزادت جرائم السرقة, واذا قل عدد المتعلمين, زادت جرائم القتل وقلت جرائم السرقة, لهذا انتهى الى ان التعليم يضفي على اجرام العصر طابع التعقل والخبث ويستبعد جرائم العنف. أولا: المدرسة عامل مساعد للجنوح تعددت الابحاث بعلم الاجتماع الجنائي بخصوص دور المدرسة كعامل للجنوح واجريت الكثير من البحوث العلمية والاحصائية والتي انتهت الى وجود ما يسمى بالمدرسة الجانحة باعتبار انها تشمل سمات عديدة في نظمها ومناهجها واساتذتها تؤدي بطبيعة الحال الى جنوح تلاميذها.. وكما قلنا سابقا تساعد العوامل الخاصة بالمدرسة العوامل الاسرية للوصول بالحدث الى مرحلة الجنوح لانه في خلال هذا السن يكون تأثير العاملين يوميا على التلميذ, اي انه قد يتلقى تعاليم سيئة في محيط الاسرة ولا تستطيع المدرسة تنحيته عنها والعكس صحيح. ولكن يكون دوما للمدرسة التأثير الاكبر باعتبار ان مهمتها الاصلية توصيل عدد من المعارف المختلفة التي يحتاجها التكوين الثقافي والمهني للطلاب الى جانب بث مختلف القيم والمبادىء الحسنة في نفوسهم خلال فترة الدراسة فدور المدرسة تهذيبي الى جانب دورها في التعليم واسقاط هذا الدور التهذيبي يؤدي الى نتائج ضارة بالحدث وبالمجتمع من بعده. ودور الاسرة قد يكون خطيرا ومتنافيا مع دور المدرسة حيث تساعد بصورة او بأخرى على تكوين ما يسمى (بالازدواجية) وذلك بالتساهل عما يقوم به الحدث وتعلمه الاسرة من افعال غير مشروعة في محيط الاسرة او المدرسة ويرجع ذلك الى عدة عوامل منها كون الحدث الطفل الوحيد او المدلل للاسرة او في غياب احد الوالدين بالوفاة او الطلاق او في حالات العائلات المتعددة والتي يصعب عليها مراقبة ابنائها وتوجيههم او ان الحالة الاقتصادية للعائلة في درجة متواضعة.. كل هذه العوامل قد تؤدي الى جنوح الحدث ويتم اخفاؤه عن المدرسة. وبخصوص السمات التي تتسم بها المدرسة ويترتب عليها جنوح بعض او معظم تلاميذها فهي بالايجاز الآتي: أ ــ سمات متعلقة بالمدرسة: من سمات المدارس المساعدة على الجنوح ونقص النواحي التنظيمية بها أي ان خططها السنوية ليست واضحة ولا تقدم تنظيما كافيا للتربية والتوجيه, كذلك لا توجد السيطرة الكاملة على الطلاب ونشاطهم اليومي اي ما يعرف بضعف الرقابة ومتابعة مختلف النواحي التنشيطية كما لا يتوافر الاحترام الكافي بين الطلاب وهيئة التدريس وتتميز هذه المدارس ايضا بالاعداد الكبيرة من الطلاب بصورة يصعب معها معرفتهم او متابعة سلوكهم اثناء اليوم الدراسي وهذا يؤدي الى صعوبة الاتصال بأولياء امور التلاميذ لعرض ما يرتكبونه من افعال داخل المدرسة وانتهاكهم لنظمها وحسن سير الدراسة فيها الى جانب معرفة احوال الطالب الخاصة وظروفه الاجتماعية. كما تزيد نسبة الغياب بين الطلاب وعدم معرفة اسباب ذلك الى جانب عدم ظهور مدير المدرسة والاساتذة بالمظهر اللائق مما يعطي الطلاب الفرصة لعدم احترامهم والاهتمام بما يقدمونه من نصائح. ب ــ سمات متعلقة بالطلبة: لاحظ الباحثون ان المدارس المؤهلة للانحراف يكون طلابها دوما من الطلاب المتخلفين في الدراسة كثيري الرسوب بل كثيري الغياب بدون عذر مقبول, وحتى الناجح منهم تكون نسبة نجاحه ضعيفة, بل من النادر ان يوجد طالب من اوائل الطلاب ويتجه للجنوح, وهؤلاء الطلاب ايضا تكون دوما علاقتهم سيئة بزملائهم وعلاقتهم اسوأ باساتذتهم, الى جانب المشاكل العديدة التي يثيرونها داخل غرف الدراسة, وعدم احترام النظام واللوائح, والى جانب بعض العادات السيئة كالتدخين وخلافه, والبعد عن ممارسة الانشطة الاخرى داخل المدرسة كالرياضة او النشاط الاجتماعي, الى جانب وجود ظاهرة الجماعات المختلفة. وخلال هذه المجموعات تتكون دوما التشكيلات العصابية حيث تتوافق كل مجموعة مع بعضها وتتبارى في سوء السلوك كالمشاجرات ومحاولة اجتذاب الجنس الاخر وخلافه. كل هذه الصفات تتميز بها المدارس التي تؤدي وتساعد على جنوح الاحداث وهذا الجنوح يتغير نوعه وشكله بحسب المستوى المادي للطلاب. ففي المدارس التي تستقبل طلاباً على مستوى اجتماعي ومادي متواضع فاننا نجد جنوحهم متجه لجرائم السرقة والضرب والتعرض لانثى على وجه يخدش حياءها. بينما في المدارس ذات الطبقة الاجتماعية الميسورة ماديا نجد جنوح الطلاب فيها يتجه لجرائم تعاطي المخدرات والجرائم المرورية كالقيادة بدون رخصة او مخالفة قواعد المرور بصورة عمدية بل بصورة خطرة مثل تجاوز السرعة وخلافه. ثانيا: المدرسة عامل مانع للجنوح قلنا ان مهمة المدرسة هي التربية وبث المبادىءوالمثل العليا قبل ان تكون لتعليم مختلف المعارف. واذا فقدت المدرسة المهمة الاولى فانه يصعب عليها تحقيق المهمة الثانية, بل ولا جدوى منها حيث تكون عاملا مساعدا للجنوح اكثر من كونها عاملاً هاماً في شأن توجيه الحدث حتى يصل الى مرحلة البلوغ وقد تأصلت لديه عادات حسنة متوافقة مع افكار ومبادىء المجتمع الذي يحىى فيه. ولهذا لابد من ان تلعب المدرسة الدور الهام في منع جنوح الاحداث, وذلك بالاهتمام بالتربية ومراقبة الطلاب في سلوكهم والاتصال الدائم بالوالدين حتى لا يكون هناك تناقض بين ما تقوم به الاسرة وبين ما تقوم به المدرسة في شأن تنشئة الحدث. بما يكفل عدم انحرافه في اهم مرحلة من حياة الانسان. والتنظيم الجيد الى جانب الاهتمام بالانشطة غير التعليمية كالرياضة والجمعيات الاجتماعية والهوايات الخاصة كالرسم او النحت كلها تستوعب نشاط الطلاب وتفرغ طاقاتهم فلا توجه الى الافعال غير المشروعة, فمثلا رياضة الملاكمة او المصارعة من الممكن ان تستوعب الطلاب ذوي الميول العنيفة وممارستهم لها داخل اطار المدرسة قد يستوعب نشاطهم فلا يفكرون في استعمال افعال العنف بصورة مجرمة. كل هذه الامور تحتاج الى اهتمام خاص بالمدرسة باعتبارها المجتمع المؤثر على نشاط واتجاه الحدث في المستقبل, وبطبيعة الحال يحتاج هذا الامر الى امكانيات مادية وتنظيمية خاصة اذا اردنا فعلا ان نجعل من المدرسة عقبة في طريق الجنوح, لا ان تكون عاملا مساعدا له. عضو الجمعية الدولية لقانون العقوبات