هناك من نادى محمد هنيدي من بوركينا فاسو, لا نعرف ماذا كان يصنع في ذلك البلد, لكننا عرفنا أنه على إثر النداء ترك (النايكي) ولبس (الباتا) , ثم غنى من فوره : شوكولاتة شوكولاتة, حط الورد على الشوكولاتة, في فيلمه الشهير هذا العام (صعيدي في الجامعة الأمريكية) , غير أن ما يهمنا من هنيدي وفيلمه, لا الشوكولاتة والمرأة السمراء التي يغني لها ولا حذاء النايكي أو الباتا, بل البطاطا, فهذه حظيت منه بتقدير. وهكذا فان الورد على الشوكولاتة اتغمقت واتحرقت واسمرت بس بطاطا, اي انها زادت سواداً واحترقت لكنها ظلت بطاطا, لذلك خاطبها هنيدي بغزل وحب وخوف وقال: آه يا عيون حلوة بتنجاني (أي باذنجاني), آه يا بطاطيا اوعي تباني, أي لا تظهري على الناس, فارتقى بمن يهوى الى مقام البطاطا, أو ارتقى بالبطاطا الى مقام من يهوى, لا فرق, فالنتيجة انه قدر البطاطا كل هذا التقدير العظيم وانزلها المكانة المحترمة اللائقة. تذكرت ذلك وأنا أقرأ عرضاً منذ اسبوعين لكتاب اجنبي بعنوان (البطاطا) لمؤلفه لاري زكرمان, صدر حديثاً وعرض له ملحقنا الاسبوعي المتفرد (بيان الكتب) , فرأيت أننا العرب أسبق من الخواجات في تخليد البطاطا بذكرها في أغنياتنا وأفلامنا, فاذا لم يكن محمد هنيدي كافياً لاثبات الأسبقية, فهناك شحرورة الوادي صباح سبقته بسنوات طويلة في اعلاء شأن البطاطا, حين قالت لمن تحب ذات يوم انها تحب البساطة ولا تمانع من العيش على هذه البساطة حتى إذا أطعمها على الغداء جبنة وزيتون وعلى العشاء بطاطا, فذلك منتهى حلمها. طبعاً صباح وكل مطربة عربية أخرى, انتهت ترفل في أثواب الحرير وتحيط جيدها بأساور الذهب والماس والمجوهرات وتركب الليموزين وتجري عمليات شد وجه وتجميل كل عام, حتى انها اليوم لا تزال في الثلاثين من عمرها, فيما بقية المواطنين العرب ممن عاصروا اغنيتها اما انتقلوا الى دار الآخرة لعدم الصلاحية, وإما من عاش منهم الى اليوم فحده من الحياة أن يأكل بطاطا فعلاً, فهي الثمرة الوحيدة التي لا تزال ميزانيته تسمح بشرائها. الا أننا نترك العرب ونعود الى الخواجات, فالمؤلف الأجنبي قبض البطاطا جد الجد, فأصدر عنها كتاباً في أكثر من 300 صفحة تناولها أباً عن جد مفصلاً تاريخها, ثم تاريخ الشعوب والأحداث السياسية والاقتصادية التي ارتبطت بها, ثم العادات والتقاليد التي أثرت فيها أو تأثرت بها مروراً بالطبع بأطباقها المختلفة, وصولاً الى أن هذه الثمرة التي يجمع عليها الناس اليوم حول العالم تعبر عن واقع (ديمقراطية طاولة الطعام) , أي مساواة الناس باشتراكهم في مثل هذه المائدة, التي تكون البطاطا تاجاً على رأسها أو ركناً مكيناً من أركانها. طبعاً المؤلف الجاد يفتح باباً للرزق لعشرات المؤلفين والكتاب, بمن فيهم العرب, في حال تناول كل منهم ثمرة من الثمار, فاكهة أو خضروات, فيؤلف عنها كتابا, من البرتقال والتفاح والكمثرى إلى الطماطم فالخس والبصل والبقدونس والثوم, وبما ان العرب أكثر شعوب العالم ارتباطا ومحبة وولعا بالطعام وبأنواع الثمار, وبعضها يرتبط ببيئته وتاريخه, فإن الكاتب العربي أكثر المرشحين لمثل هذه المهمة النبيلة, فيخدم الثقافة العربية من ناحية برفدها بكتب رصينة وعلمية مثل كتاب البطاطا المذكور, كما يخدم نفسه عن طريق بيع مثل هذه الكتب بأوسع مما يبيع رواياته وقصصه وأشعاره وبقية كتبه حاليا من ناحية أخرى, خاصة انه لن يتبقى فكهاني أو خضرجي أو محب عموما للطعام أو ربة بيت من دون أن يقتني مثل هذه الكتب, لولا أن العربي للأسف يأكل وينسى, فيما الخواجه يأكل ويفكر. وبما انني من الذين يأكلون وينسون, فأختم بما بدأت به, أي بهنيدي, فهذا ترك (النايكي) ولبس (الباتا) لزوم القافية حيث للشعر احترامه وقوانينه, ولو كان من النوع الحلمنتيشي, فـ (الباتا) تمشي مع البطاطا, أما ماذا كان يصنع في بوركينا فاسو التي تركها فورا بعد النداء, فعلى الأرجح لانه وجد فيها شوكولاتة سمراء, لم يجد تشبيها لها خيرا من البطاطا السمراء التي احترقت في الشواء أو القلي, هي ما تبقت في خاطري (أي الشوكولاتة) من فيلم هنيدي, حتى فكرت في السفر إلى بوركينا فاسو هذا الصيف.