المجتمعات الحديثة لم تعد كمجتمعات السابق ذات طابع شبه احادي ونكهة واحدة كأن نقول مجتمع تجار او مجتمع صيادين او مزارعين فالمجتمع الحديث متعدد الفروع والاتجاهات والآراء والمصالح والفئات مكون من مدرسين ومفكرين من نساء ورجال , من مهنيين ومزارعين من اعراق ومن طوائف. هذه الحقيقة هي نتاج طبيعي لانتشار التعليم ونشوء مهن جديدة وتشكيلات جديدة بين الناس على مدى العقود الماضية فقد ادت برامج التعليم الجديدة وتعميم السفر وتعدد الاتصالات الممزوج مع هجرات سكانية وتكنولوجية ومعرفية الى تغيرات كبيرة في بنية المجتمع وثقافته والنتيجة لكل هذا هي سواء تعددية المجتمع وتعدد سلوكيات مواطنيه وشبانه, وقد ادت التسعينات بشكل اكثر وضوحا وتوسعا الى تعزيز هذا التنوع السياسي والاجتماعي في المجتمعات العربية. لكن هذا الوضع لم يتواكب مع مزيد من الوعي بطريقة التعامل مع التعددية بل تداخل هذا الوضع مع محاولات للسير بالاتجاه المعاكس بل تحتاج معظم الدول العربية الى اعادة النظر بالكثير من القوانين المنظمة للاقتصاد والسياسة والحريات وجمعيات النفع العام والتعليم وذلك لكي تتواكب والنقلة التي تنتظر المنطقة في ظل مجتمعات متعددة. والجدير بالذكر ان محاولة التشبث بالعديد من القوانين التي لا تراعي التعددية في ظل مجتمع يبحث عن المزيد من الحريات وعن الاعتراف بالمزيد من المكاسب للجماعة وللفرد سوف يؤدي الى تناقضات كبيرة تنتظر البلاد العربية. والجدير بالذكر ان المجتمع المتعدد هو مجتمع شديد التشعب ولذلك من الطبيعي ان يصطدم مع محاولات فرض سلوك واحد او اسلوب واحد في التفكير على كل افراده. هكذا في ظل هذا النمط من المجتمعات لا بد من تعامل مختلف وسياسات اكثر مقدرة على مخاطبة الجديد وهذا يتطلب اعادة النظر بالكثير من القوانين التي تتعلق بالحريات الشخصية والكتب والمطبوعات التي لا يوجد مبرر لمنعها لانها متوفرة في كل مكان وفي كل انحاء المعمورة, ان التعامل مع المجتمعات العربية بدون معرفة دقيقة بهذا البعد التعددي ثم القيام بعد ذلك بوضع قوانين اكثر تشدداً مأخوذة من مجتمعات لم تنضج فيها حالة التعددية السياسية والاجتماعية, يؤدي بطبيعة الحال الى ازمات كبرى تمس الجيل الصاعد وتمس فئات عديدة لم تعترف بها القوانين. ان التعددية في الجوهر تتطلب موقفاً من مبدأ التسامح بين الناس اي تتطلب استعدادا من كل فرد وجماعة لقبول مبدأ التعايش مع الشيء الذي لا نستسيغه او نتقبله. التسامح موقف ايجابي من الاختلاف السلوكي والثقافي والنفسي والاختلاف في العقلية والعادة بين الناس ووسط المجتمع. التسامح اذن قبول بالتعايش بين الديني والاقل تدينا بين اليميني واليساري, بين المحافظ والمتحرر, التعايش هو المدخل للسلام الداخلي والتطور والتنمية في المجتمعات فالتسامح يقوم على التوازن الذي هو جوهر الاشياء, وبلا البحث عن معادلة توازن الفرد مع المجتمع وتوازن الفئة مع الاخرى في ظل دول تقوم على القانون العادل والمنصف والتسامح بين افكار الناس فسوف يكون من الصعب التفكير بامكانية نهضة عربية. ان السياسات التي لا يكون مدخلها احترام ارادة الانسان واحترام عقله وحريته في الاختيار كثيرا ما تؤدي الى ضرب التوازن وانكسار المعادلات كما حصل في السودان والجزائر في السابق, ان الانسان الحر هو الانسان صاحب الاختيار وبدون اعطاء هذا الخيار في العمل السياسي (حق القول والكتابة والتعبير والاجتماع والانضمام للجمعيات) وفي السلوك الشخصي والفردي والحقوقي سوف يبقى انسان هذه المجتمعات غير قادر على فهم المسؤولية التي ترافق الحرية. ان بناء جيل المستقبل او بناء الجيل الراهن في البلاد العربية لا يتأتى الا بتوسيع هامش الحرية والاقرار بالتعددية. أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت