يصبح الفكر في أزمة عندما تكون علاقته بالوقائع غير متوازنة, أي عندما لا تستطيع خطاطات الفكر ان تتمثل الوقائع في حيويتها وان تجد الطريق إلى تفسيرها . يوجد الفكر العربي اليوم, في نظرنا في مثل هذه الحالة, فخلال عقود قليلة من الزمن عاين الفكر العربي صدمات عنيفة كان مصدرها قوة الوقائع وعمق تأثيرها في مكانة المجموعة العربية ضمن نظام العالم الذي تشكل, وما يفتأ يتشكل منذ منتصف القرن الماضي. لكن, رغم سلبياتها فان مثل هذه الصدمات القوية تكون فرصة سانحة لوضع السؤال واعادة النظر, وليست كل لحظات التاريخ فرصا سانحة للانطلاق منها بسؤال يسمح باعادة النظر وتوجيه الفكر توجيها جديدا. سيكون علينا, مع ذلك, ان نعرف هل تمكن الفكر العربي من اصدار رد الفعل الضروري والملائم على مظاهر الصدمات العنيفة التي عرفها واقع البلاد العربية في العقود الماضية, لا غنى لنا عن معرفة سبب ما دعوناه بأزمة الفكر والبحث في مظاهره وفي السبل إلى تجاوزه. أول مظاهر الأزمة في نظرنا, المفارقة التي تتميز بها علاقة الفكر بواقعه المباشر, ويمكن التعبير عن هذا المظهر بتعبيرات مختلفة, ونستطيع القول بهذا الصدد كتعبير أول عن مظهر المفارقة ان الفكر العربي لا يتجه إلى التفكير في القضايا المطروحة عليه تفكيرا مباشرا, ففي العلاقة بالوقائع تعطى الأولوية للوسائط التي تكون في بعض الحالات افكارا وتصورات ترجع إلى التراث الخاص, وتكون في بعض الحالات الأخرى أفكارا ترجع إلى تراث انساني آخر, أو تعود في حالات ثالثة إلى أفكار معاصرة, وليس ما يهم في هذه الحالة هو مضمون الأفكار والتفاضل بينها على هذا الأساس, بل المهم هو الطريقة التي يتم بها الاستناد إلى تلك الأفكار والتي تجعلها ذات أولوية بالنسبة للوقائع, هذا طريق أول للتيه بالنسبة للفكر العربي المعاصر والخلاص من هذا التيه يكون بقلب الأولوية وجعل العلاقة حيوية مع الوقائع على حساب الأفكار. لابد من الاشارة, مع ذلك إلى ان الحكم الذي أصدرناه عام وانه لا يلغي لدينا الايمان بوجود توجهات فكرية قليلة تحاول ان تدرك الوقائع في حيويتها وتتجه الى التفكير فيها في صيرورتها الواقعية, ونجد أنفسنا ندعم هذا التوجه من التفكير, فالاتجاه المباشر للفكر نحو الوقائع هو الطريق إلى خلاصه من كثير من الاشكاليات المغلوطة التي عاشها منذ عقود من الزمن. المظهر الثاني لأزمة العلاقة بين الفكر والوقائع, هو ان المفكر العربي لا يأخذ في كثير من الأحيان المشكلات التي يعالجها في ضوء بعدها الانساني الشامل. يطغى مفهوم الخصوصية في هذا المستوى إلى الحد الذي يصبح معه عائقا معرفيا يعوق المحلل عن بلوغ موضوعية الوقائع التي يفكر فيها, هكذا, فانه بدلا من ادراك المشكلات التي عرفتها المنطقة العربية بوصفها دلالة على مشكلات انسانية عامة, فانها تدرك بوصفها عاكسة لطابع خاص يتم الرجوع فيه إلى التاريخ. ولا شك لدينا تأييد لهذا في ان المشكلات الانسانية العامة تتخذ ألوانا مختلفة من جهة إلى أخرى من العالم, ولكن ذلك لا يمنع من القول بأنها مشكلات تطرح على الانسانية بصفة عامة, هذه هي الصفة التي ينبغي ان ندرك بها الظاهرة الاستعمارية التي خضعت لها المنطقة العربية في فترة من الزمن وما ترتب عن هذه الظاهرة من مظاهر صراع مادي وثقافي وحضاري, فلهذه الظاهرة بعدها الانساني الشامل من حيث انها تعكس مرحلة من توازن الانسانية, انها ظاهرة ذات دلالة بالنسبة لمن مارسها وبالنسبة لمن خضع لها على السواء, وينبغي اذن تحليلها من حيث المعنى العميق الذي تدل به على اختلال في علاقة الانسانية بذاتها, إذ هي دلالة على تراجع في القيم الانسانية التي قامت عليها الثورات التي عرفتها أوروبا, والتي تقوم عليها النزعات الفكرية الانسانية التي سادت هذه القارة, كما انها دلالة على انفصام في العالم الجديد الذي أرادت نزعات الحداثة ان تجعل منه بحق عالما يكون فيه الانسان قيمة أسمى, ولسنا نشير هنا سوى إلى الاتجاه العام الذي يمكن ان يسير فيه التحليل. هذا المنظور صالح أيضا للنظر في الأزمات والصدمات والحروب التي عرفتها المنطقة العربية, فهي جميعها دلالة على توازن كانت المنطقة العربية مجالا حيويا له, حتى وان كان ذلك التوازن في مظهر آخر له اختلالا في عمقه. ان ما نريد الوصول إليه هو التأكيد بأن لدى مفكري المنطقة العربية فرصة للمساهمة في تحليل مشكلات الانسانية المعاصرة, وذلك عبر تحليل المشكلات الخاصة التي تعرفها المنطقة فبامكان المفكر العربي في نظرنا ان يبرز اشكالات العالم المعاصر عبر اشكالات خاصة ربما لا يتاح لغيره معاينتها في واقعيتها وشموليتها, وهذا يعني رفع صفة الاطلاق عن خصوصية المشكلات وعن خصوصية الفكر الذي يقوم بتحليلها, وهذا أيضا. هكذا نكون قد ارتقينا إلى توجيه النظر إلى عائقين ينبغي تجاوزهما عند التفكير في القضايا التي تطرح اليوم في المنطقة العربية: عائق الوسائط, وعائق الخصوصية المطلقة, ولا شك لدينا في ان تحرر الفكر العربي من هذين العائقين سيجعله مطابقا لذاته وللموضوعية, لا بوصفه فكراً خاصا هو نسيج وحده, بل بوصفه تجسيدا للفكر الانساني متكيفا مع تاريخ ذي سمات خاصة.