انتخابات البرلمان الثالث بعد التحرير التي تشهدها الكويت بعد اربعة ايام من الان, قد تدخل التاريخ تحت اسم (انتخابات النساء) , فبعد تلك الايام ستكون نتائج الفرز قد قاربت على الظهور , ثم ينتهي ذلك الماراثون الانتخابي الطويل كصيفنا الحار, لكن هذه الانتخابات ستكون قد أدت الى فعل تاريخي غير مسبوق ألا وهو السماح للمرأة بنيل حقوقها السياسية ليكون أول ما سيثار في المجلس القادم هو هذه الحقوق, فإن لم يكن البعض مقتنعاً بها واتخذ منها ذريعة لصراع سياسي عبثي, فإننا نكون قد عدنا الى الصفر السياسي مرة اخرى, اما اذا تجاوزنا هذا الموضوع وقبلنا به كتصرف نهائي وحضاري, فإننا نكون ــ كمجتمع ــ قد تجاوزنا منعطفاً صعباً في تجربتنا الديمقراطية. ماذا سيكون من أمر الممارسة النيابية القادمة, بالتأكيد سيكون صوت المرأة هو واحد من العوامل المهمة التي تقتضيها المصلحة السياسية لكل نائب, أما إذا اكتمل العقد واصبحت المرأة لأول مرة وزيرة في الوزارة القادمة, فإن السلوك العام في المجلس القادم سيختلف جذريا عما كان عليه حتى الان أو قل حتى المجلس السابق. كل ذلك على سبيل التوقع فيما سيكون, أما وقد بقي عن يوم (الحقيقة النيابية) اربعة أيام, فإن المتابع للحملة الانتخابية التي تكاد ان تنقضي يلاحظ مجموعة من الملاحظات: اولاً: ان هذه الحملة داخلية بحتة, فقد كانت الانتخابات الكويتية السابقة تستقطب العديد من الاهتمامات الدولية والاقليمية, غير ان هذه الحملة تميزت بأنها داخلية لم يسمع بها المهتم عربياً او دولياً, كما انها لم تتناول قضايا اقليمية مهمة او دولية, فمن سافر خارج الكويت في الاسابيع القليلة الماضية يدرك انه لا يكاد يسمع بعض صدى للمعركة الانتخابية الكويتية ولا يتبين اصواتها, وان كل ما صاحبها من ضجة كان امراً محلياً بحتاً, ولعل تفسير ذلك شيئان: الأول ان العالم اخذ بجدية الممارسة الانتخابية في الكويت فلم يعد من الأمر جديد, اما الثاني فهو انشغال العالم بقضايا اخرى اكثر إلحاحا. ثانياً: دخل المجتمع في مزايدة اللبن والعسل, واستثني فقط من التعميم بعض المرشحين الذين لا يتعدون اصابع اليد الواحدة, اما الباقي فقد اخذتهم نفس المعزوفة في المزايدة وطرح الاحلام الوردية للناخبين والتكشير عن أنياب حادة تجاه التقصير! ويكاد المتابع ألا يرى او يسمع طرحاً مختلفاً له برنامج واضح, ضعف هذا الخط الأخير متوقع لأنه لو طرح سيكون كالتالي (يا إخوان لا استطيع أن افعل شيئاً بمفردي ان لم يتعاون معي عدد من الأعضاء) تلك حقيقة يعرفها جميع المرشحين ولا يتحدث بها أحد, اما الكثيرون من هؤلاء فإن عنف الصوت وارتفاعه لديهم هو أساس الإقناع برأيهم. ثالثاً: معركة المال العام كانت أساساً في اطروحات الكثير من المرشحين, ولكنها كانت تطرح كقضية غامضة ومجردة, ويكاد المرء ان يلاحظ مدى سخرية القدر في ان تحكم محكمة بريطانية على بعض المتورطين في قضايا خاصة باختلاس المال العام قبل ايام من فتح صناديق الاقتراع, ونسى الجميع في غمرة حماسهم المشتعل ان الدولة هي التي قامت بمتابعة هذه القضية وصرفت عليها الأموال لتحفظ حقها وحق الشعب, ولكن توقيت الحكم زاد من حرارة استخدام الشعار رغم غموضه, إلا انه والحق يقال شعار يستهوي العديد من الناخبين. رابعا: يكاد المتابع ان يعمم ظاهرة يمكن اختصارها في ان الكثير من المرشحين اتجهوا للحديث عن حلول لمشكلات أفراد أثناء حملتهم الانتخابية اكثر من حلول لمشكلات مجتمع, والمشكلات العامة التي تواجه المجتمع الكويتي اليوم وفي المستقبل هي أولا اقتصادية, وثانيا أمنية, أو كلاهما في وقت واحد, والاقتصادية هنا لا تتوقف عند تحقيق دخل مريح للمجتمع, ولكنها تشمل قضايا مثل التعليم الذي أصبح ما ينفق عليه يصل إلى درجة الهدر, لأن المجتمع لا يحقق منه قيمة مضافة, كما ان الشكوى من مستوى التعليم أصبحت شكوى عامة تعرف بها كل أسرة لها أبناء على مقاعد الدراسة في أي مستوى, ويجري ذلك على ما نحققه كمجتمع من انتاج متواضع في معظم ما نقوم به من أعمال, وهي قضية مركبة يعرف بها العاملون في قطاع التعليم والمشتغلون بالشأن العام على السواء, ان تدني التعليم هو جزء من تدني خدمات أخرى عديدة, تدخلت فيها ظاهرة حل المشكلات الفردية على حساب المشكلات المجتمعية, وأغرقت خلالها الأجهزة الخدمية وغيرها ببطالة مقنعة, وظاهرة, وبمستوى متواضع من القدرات, كانت اليد العاملة الفنية غير المحلية تغطي ضعفها في السابق, وعندما لجأ المجتمع إلى أبنائه وجد ضحالة في المستوى التدريبي والفني وعجزاً في مواجهة المتطلبات المجتمعية. خامسا: في الاتجاه لوضع حلول لمشكلات افراد يصر البعض أيضا على وضع حلول لمشكلات الآخرة قبل الدنيا, والتلويح بحلول خيالية قبل ان تكون واقعية ونسي هذا البعض ان (الضرورات) تبيح الحديث عما نواجه اليوم من مشكلات, لا الحديث عن (محرمات) فيها اجتهادات كثيرة قد لا تكون لها علاقة مباشرة بما نعيشه. الظاهرة العامة ان الكثير من المرشحين قد أفرغوا غضبهم ونقدهم على الآخر (الحكومة) ولم ير معظمهم في الطرف الآخر إلى النواقص والمثالب حتى أعيد تشكيل ذاكرة الناس على منوال قراءة متعمدة وسلبية لرسم صورة قاتمة لما يواجهه المجتمع الكويتي في المستقبل, ولكن بعد الثالث من يوليو, أي بعد أيام قليلة سيكون هناك خمسون نائبا مواجهون بضرورة حل بعض المشكلات التي أشاروا إليها في حملاتهم الانتخابية, وهنا تكمن المعادلة المستحيلة في السياسة الكويتية, فأما تصعيد كما سبق, أو اعادة تشكيل ذاكرة الناس من جديد, وبشكل مخالف لما ساد في الشهرين الماضيين, وهنا يثور سؤال: هل الوصول إلى البرلمان مطمع ومطمح شخصي, أم هو خدمة عامة, وان كان الأخير هو الاجابة المعلنة فهل هو خدمة للأفراد أم عموم المجتمع؟ تحتاج الاجابة عن السؤال وضع استراتيجية لتقديم حلول شجاعة وموضوعية ولن يتأتى هذا دون ان يفكر المجلس المقبل بعمل تشاوري واسع لوضع أولويات تشريعية تقدم خدمة للمجتمع, وتواجه المنعطف الصعب في تطورنا الاقتصادي والسياسي. الفشل في وضع مثل هذه الاستراتيجية سيقودنا في المستقبل للتشكيك في أهمية الانتخابات كوسيلة للارتقاء بالمجتمع, واعتقد من خلاصة الحديث مع العديد من المواطنين المتابعين, ان الاقبال على الادلاء بالأصوات في الثالث من يوليو المقبل سيكون أقل من نسبته في المرات السابقة, وان حدث هذا التوقع فان المسؤولية ستكون مضاعفة على من يحقق الفوز. الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت