المهرجان الذي يقام سنويا في بعض البلدان العربية والاسلامية في مناسبة ذكرى مولد نبينا ورسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرة يختلف حولها الفقهاء : هل احتفال (المولد) بدعة؟ لست بصدد هذا السؤال وانما بصدد الذكرى العظيمة نفسها, فبصرف النظر عن وسائل الاحتفاء فإن التوقف عند ذكرى المناسبة نفسها من اجل المراجعة والتأمل والعظة امر حري بكل مسلم ومسلمة. وعند حلول هذه الذكرى العطرة الاسبوع الماضي استذكرت ذلك الجدل الذي اثير ولا يزال مثارا حول معنى (فصل الدين عن الدولة) , وقلت لنفسي: ما أبسط ان يحسم هذا الجدل لو اتفق المجادلون كمسلمين على ان (عصا القياس) هي القدوة المحمدية. اذ ما يعنيه اصحاب مقولة (فصل الدين عن الدولة) , وهم مثقفون مسلمون, هو فصم الجانب العقائدي في الاسلام عن شؤون السياسة والحكم وفي هذا السياق تستخدم في كثير في الاحيان عبارة (الاسلام السياسي) في مقابل العبادات والسلوكيات الاخلاقية الاجتماعية كشؤون غير سياسية ومنفصلة. ومن الواضح والثابت ان هذا الفصم المفتعل مستلهم من فكر الظاهرة العلمانية الغربية التي شهدها (عصر النهضة) وما بعده حتى اليوم حين شن المفكرون الليبراليون حرباً مصيرية ضد مؤسسة الكنيسة, كانت هذه الحرب وليدة تراكمات طويلة الأمد بين فقهاء الفلسفة ورجال الدين في أزمنة كانت مؤسسة الكنيسة فيها تعتبر نفسها المرجعية الالهية للحكم وتوجهاته وكما هو معلوم فإن الحرب انتهت لصالح مدارس التفكير الليبرالي في الغرب عن طريق (فصل الدين عن الدولة) .. اي ابعاد الكنيسة لحصر مهامها في الوعظ ليس الا. اذا كان هذا ينطبق على المجتمعات الغربية وفقاً لظروفها التاريخية الخاصة والمفهوم الوضعي للدين المسيحي في اذهان رجال الكنيسة بأنه لا ينطبق على الاسلام والمسلمين فالاسلام دين شامل كامل جاء كرسالة سماوية خاتمة الى البشر اجمعين ليعلمهم كأفراد وجماعات كيف يسلكون من المهد الى اللحد.. ومن علاقة الفرد بنفسه مرورا بعلاقته بذوي القربى والمجتمع العريض الى علاقته بالحاكم وكل تلك العلائق خاضعة للعلاقة الأزلية مع رب الناس والكون. كل علاقة في كل مستوى لها أحكامها وضوابطها وفقا لما ورد في الكتاب والسنة. ويترافق مع ذلك القدوة المحمدية نفسها على الصعيد العملي. وقد لا يكون لكل مسلم قدوة أو قدوات في ظروف زمانه ومكانه الخاصة. ربما تكون القدوة أبا أو معلما أو صديقا أو عالما فيلسوفا أو زعيما سياسيا أو كاتبا حكيما. لكن قدوة القدوات قاطبة تبقى واحدة: محمد النبي صلى الله عليه وسلم. لم يكن محمد عليه أفضل الصلوات والتسليم متقوقعا داخل بيته منعزلا عن الناس وتيار الحياة اليومية. كان محمد عسكريا مجاهدا ودبلوماسيا مجاهدا.. وكان مرجعا قضائيا يقضي بين الناس في كافة شؤونهم وخصوماتهم. وعلى صعيد مواز كان مثال الزوج ومثال الأب. وكان أيضا المرجعية المثالية في شؤون الحكم وقضايا السياسة. والحكمة الإلهية العظمى في ان الله تعالى جعل رسله بشرا ولم يجعلهم ملائكة من السماء حتى لا يحتج البشر بأن الملائكة من جنس آخر يستحيل الاقتداء. وهذا هو مغزى قوله تعالي: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم..) وقوله تعالى: (قل انما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ) . بالطبع لن يبلغ مسلم مرتبة محمد في الايمان والممارسة مهما سعى واجتهد لكن محمدا يظل القدوة العظمى التي نستلهمها على الدوام دون غيرها في كل زمان ومكان.. وفي كل الامور, صغيرها وكبيرها.