ظهرت مؤشرات ايجابية من مسعى الرئيس الجزائري المنتخب عبدالعزيز بوتفليقة في تفكيك عقدة المعضلة الامنية بالجزائر وتجلى ذلك في الخطوات التي اقدم عليها زعيم الجبهة الاسلامية للانقاذ المنحلة (عباس مدني) في رسالة منه وجهها الى الرئيس الجزائري اعلن فيها موافقته على انجاح مشروع السلم المدني الذي وضعه عبدالعزيز بوتفليقة غداة انتخابه رئيسا للبلاد, وقبل عباس مدني, وصلت الرئاسة الجزائرية رسالة من قائد الجيش الاسلامي للانقاذ مدني مزراق اعلن فيها هو الآخر, القاء عناصره السلاح ووضعها تحت تصرف الجيش الجزائري وذهب الى ابعد من ذلك بموافقته على محاربة بقية الجماعات الارهابية ممن ترفض القاء سلاحها وتسليم عناصرها الملطخة ايديها بالدماء الى العدالة الجزائرية للبث في ملفاتها الثقيلة بالضحايا الابرياء الذين تجاوز عددهم الـ 60 ألفا, هذا فضلا عن تخريب المئات من المصانع والمنشآت الاقتصادية كان نتيجتها تخريب الاقتصاد الجزائري الذي عرف هزات السنوات الاخيرة بسبب انخفاض اسعار النفط في الاسواق الدولية.. وكان الرئيس الجزائري واضحا في خطبه السياسية سواء قبل انتخابات الرئاسيات او بعدها باعلان عن عزمه تسوية الملف الامني وتحقيق المصالحة الوطنية كمقدمة نحو انعاش الملف الاقتصادي وكمقدمة نحو اعادة مكانة الجزائر الاقليمية والدولية والتي عرفت تراجعا خطيرا السنوات الاخيرة, يكفي ان الجزائر لم تشارك كعادتها في صنع قرارات وحل نزاعات اقليمية ودولية بطريقتها الدبلوماسية الفريدة من نوعها التي كللت قبل بداية الازمة الامنية بنجاحات وانتصارات اقليمية ودولية تشهد على ذلك القوى الدولية الكبرى على رأسها الولايات المتحدة الامريكية عندما توسطت الجزائر في قضية الرهائن الامريكيين الذين احتجزهم انصار آيت الله الخميني في السفارة الامريكية بطهران.. ويعلم عبدالعزيز بوتفليقة وهو الدبلوماسي المحنك العارف بخبايا السياسة الدولية ان جميع مشكلات الجزائر الداخلية والخارجية مؤجل حلها الى حين تسوية الملف الامني لكن التساؤل الذي يطرح مرارا على اي واحد مطلع على الملف الجزائري؟ هل يقدر الرئيس بوتفليقة اقناع جميع الجماعات الارهابية الرافضة بإلقاء سلاحها والتي ضاعفت من عملياتها الارهابية منذ شهرين كرسالة منها وجوابا على مبادرة الرئيس من انها ترفض رفضا جازما اي مسعى سلمي يأتي من الدولة الجزائرية لانها في اعتقادها الخاطىء دولة كافرة لايجوز التعامل معها او التفاوض والجلوس معها على طاولة المفاوضات؟ وللحقيقة ان معظم الجماعات الارهابية جرى تفكيكها الاشهر الاخيرة بعمليات تمشيط قام بها الجيش الجزائري في المناطق الوعرة والجبال حيث تتواجد هذه الجماعات وكان آخرها عملية نفذها الجيش الجزائري منذ شهرين في جبال الذبربر قتل فيها مالا يقل عن 200 ارهابي من بينهم امراء تابعون للجماعة الاسلامية المسلحة التي يقودها عنتر الزوابري, التي انشق عنها حسن حطاب واسس جماعة الدعوة والجهاد, وفي اعتقادي ان الرئيس الجزائري توصل الى فك عقدة هذه الجماعات وجعلها تعيد حساباتها وهو انه لايمكن لها ان تواصل في وحشيتها مثلما كانت تفعل في السابق, وهكذا اشترط على عناصر الجيش الاسلامي للانقاذ مساعدة الجيش النظامي في محاربة وملاحقة العناصر المسؤولة عن الاغتيالات ويتولى عناصر الجيش الاسلامي للانقاد كشف هوية هؤلاء والقبض عليهم في جحورهم وتسليمهم للجيش الجزائري الذي يتولى تقديمهم الى العدالة لمحاكمتهم عن جرائمهم اما العناصر المغرر بها والتي لم ترتكب جرائم فسينظر في موضوعها هي الاخرى طبقا لقانون العفو والرحمة الذي يقدم للبرلمان للبحث فيه قريبا. اما الجماعات الارهابية كالجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة عنتر زوابري والجماعة السلفية للدعوة والجهاد بقيادة حسن حطاب الذي انشق عن عنتر زوابري منذ اشهر وكانت بعض الجرائد تحدثت عن وضعه السلاح, فإنهما اعلنا في بيانين مستقلين مواصلة الكفاح المسلح ضد النظام في الجزائر, وكان متوقعا رد الجماعات هذه على مشروع السلم المدني الذي طرحه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة, وذلك لما يحمله سجل هذه الجماعات من قتل واغتصاب وزرع الهلع والموت في صفوف الشعب الجزائري خلال عشرية (حمراء) فلا يعقل ان ننتظر من شخص تعود على الذبح والقتل ان يطلب الصفح عما اقترفه في حق اخوانه, حتى ان عناصر هذه الجماعات تناقص عددها الاشهر الاخيرة بشكل ملحوظ وبقيت مختبئة في اماكن وعرة تحتمي فيها من ملاحقة قوات الجيش ــ وبرأيي لاتمثل هذه الجماعات اي تأثير سلبي على مشروع المصالحة الوطنية, لان تواجدها محصور في مناطق محدودة من التراب الجزائري, بعد ان تلقت ضربات موجعة الاشهر الاخيرة من الجيش الجزائري, وانما المشكلة تتمثل في قدرة النظام الجزائري اقناع مسؤولي الجبهة وجيش الانقاذ الاسلامي, بمسعى الرئيس الجزائري, لأنه حتى وان كان جيش الانقاذ اعلن تأييده لمشروع الرئيس الجزائري ولحق به عباس مدني فان بقية المسؤولين كعبد القادر حشاني وعلي جدي وبوخمخم المقربين من الرجل الثاني بجبهة الانقاذ علي بلحاج متحفظون من مشروع المصالحة الوطنية بل ان اعلانهم الاخير تضمن شروطا تعجيزية بمطالبتهم الرئيس الجزائري اطلاق جميع السجناء الجزائريين, اشارة الى الرجل الثاني للجبهة, ومناقشة مسببات الازمة الجزائرية من يوم ظهورها الى اليوم ويعني ذلك فتح ملفات سابقة معقدة تأخذ من الوقت الكثير واكثر من ذلك كله شككت القيادات الجبهوية في رسالة عباس مدني الاخيرة الى الرئيس الجزائري, والتي بثها التلفزيون الجزائري ونشرتها وكالات الانباء العالمية بكاملها, فماذا يريد هؤلاء اكثر مما قدمه الرئيس الجزائري لهم؟ للحقيقة تعتقد عناصر الجبهة الاسلامية للانقاذ المحظورة ان رغبة الرئيس الجزائري في حل المعضلة الامنية, على انها رغبة تنم عن فشل النظام الجزائري في محاربة جماعات الارهاب, من هذا المنطلق اعتقدت القيادات هذه انها في مركز قوة والنظام الجزائري في موقع ضعف وتعتقد ان املاءها شروطها التعجيزية عليه تجعله يقبلها كلها, بمعنى آخر تعتقد انها كسبت (الحرب) وعلى الخاسر التوقيع على شروط المنتصر!! باعتقادي ان جبهة الانقاذ المحظورة تمتلك نظرة ضيقة من ازمة الجزائر هي نظرة حزبية صرفة بينما نظرة الرئيس الجزائري نظرة شاملة للوضع تشتمل على المسعى الامني والسياسي والاقتصادي والدولي واشار اليها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عندما ربط ملف التنمية ومكانة الجزائر الدولية بالمعضلة الامنية التي يراهن عليها للخروج من الازمة كلها, تبقى على قيادات الجبهة ان تنظر الى مسعى الرئيس الجزائري على انه مسعى يخدم الجزائر, وحدها ولا يخدم جناحا في السلطة, او يخدم الرئيس ذاته, بمعنى اخر جميع مشاريع المستقبل مؤجلة الى حين تسوية الملف الامني, فماذا ينتظر الجزائر بعد تسوية أزمتها الامنية والسياسية؟ ينتظر الاشهر المقبلة ان تشكل عناصر جبهة الانقاذ المحظورة طبقا للقانون حزبا سياسيا, يحترم قوانين الدولة الجزائرية ودستورها وينبذ العنف ولا يستعمل المساجد لاغراض حزبية سياسية, كما احترمت ذلك احزاب اسلامية تنشط في الساحة السياسية, وشاركت في جميع الانتخابات السابقة في الرئاسة منها وعلى رأسها, محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم, وعبدالله جاب الله زعيم حركة الاصلاح التي انشقت عن حركة النهضة, وباعتقادي ان مشاركة الطبقة السياسية في اثراء الحياة الديمقراطية في هذا البلد الذي لايزال يعاني اثار الاستعمار الفرنسي, من شأنها ان تعيد الجزائر الى مكانتها الاقليمية والدولية التي كانت تحتلها في فترة السبعينات, ولم لا تغتنم الاحزاب فرصة عيد الاستقلال المقبل الذي يصادف يوم 5 يوليو وهو يوم مقدس بالنسبة للشعب الجزائري تعلن فيه عن عهد جديد يبشر بعشرية بيضاء بدل عشرية (هراء) كتلك التي عاشها الجزائر, وقبلها عشرية (سوداء) في عهد الرئيس الاسبق الشاذلي بن جديد؟.. يمكن ذلك اذا تضافرت الجهود المخلصة من اجل مصلحة الجزائر, ومكانتها الدولية, التي يعتزم الرئيس بوتفليقة ان يعيدها للجزائر, فغير معقول ان تكون الجزائر بعيدة عن صنع احداث دولية هامة فاتتها, كان يفترض ان تشارك فيها لو كانت دولة مستقرة داخليا, فموقع الجزائر الجغرافي والاستراتيجي وما تمتلكه من طاقات مخزنة تؤهلها للعب ادوار استراتيجية في محيطها الاقليمي المغاربي والاطلسي الذي تأثر كثيرا من غياب هذا الفاعل الاقليمي, فاتحاد المغرب العربي مثلا كتكتل اقليمي عليه ان يعاود دوره في مواجهة الرهانات والتحديات التي تواجهه اولها مشكلة الصحراء الغربية, واعادة صياغة علاقاته الاقتصادية والتجارية مع دول الاتحاد الاوروبي, ولم لايتم البحث عن اسواق جديدة في القارة الافريقية, ويأتي في هذا المسعى, دعوة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الدول المغاربية الى احياء الاتحاد المغاربي, ووساطة الرئيس المصري حسني مبارك, بين الجزائر والمغرب لحل مشكلاتهما العالقة في صالح الاتحاد المغاربي.. ويعمل الرئيس الجزائري في هذا الاتجاه بتوصيف رصيده الدبلوماسي والسياسي والذي كلل بزيارة بعثات رسمية اجنبية لم تعهدها الجزائر منذ سنوات, اولها زيارة وزير الداخلية الفرنسي والقائمة لا تزال مفتوحة.. بمعنى اخر تحركات الرئيس الجزائري على الاصعدة الداخلية والخارجية تجلت ايجابياتها لدى الرأي العام الداخلي والدولي, ولا نزال ننتظر بشائر اخرى الايام المقبلة حيث ان الجزائر غالية عند ابنائها وهي في قلب كل عربي يتابع وضع هذا البلد الجريح. كاتب وباحث في العلاقات الدولية