على امتداد ازمة كوسوفو تبين بوضوح ان العلاقات الأطلسية استطاعت ان تصمد في وجه مجموعة من الانتقادات الموجهة لاستراتيجية الحلف الاطلسي, ولاسيما في بعدها العسكري , ان مجرد الاستنجاد بالحلف الاطلسي لارغام القيادة الصربية على القبول بمقترحات رامبوييه, كان في حد ذاته يؤشر لمحدودية أوروبا في تدبير حتى تلك الأزمات التي تهدد الأمن والاستقرار في القارة الأوروبية نفسها, علاوة على ذلك لقد ثبت واضحا من جديد, وكما كان الامر فيما عرف بعاصفة الصحراء التي نفذت ضد الاجتياح العراقي للكويت, انه بالرغم من تعدد القوات داخل ما سمي بالحلفاء, أو داخل الحلف الاطلسي حاليا, فإن الكلمة الاولى والاخيرة تعود للولايات المتحدة, فبالرغم من وجود قيادة عليا, ومشاركة قوات أوروبية, فقد بدا جليا ان القيادة الامريكية هي التي كانت تحدد الاهداف والخطط المتبعة, فعلى هذا المستوى, لم يكن مناصا امام الأوروبيين سوى التبعية للولايات المتحدة, بفعل العجز التكنولوجي الاوروبي في هذا المجال, لقد اكتشف الاوروبيون من جديد انهم متأخرون فيما بات يعرف بالحرب الالكترونية التي اعتمدت على طائرات الشبح, وعلى صواريخ عابرة, وعلى أقمار متطورة للاتصالات. ولاريب, في ان استئثار الولايات المتحدة بالقرار ظل منذ زمن طويل محط انتقاد في الأوساط الأوروبية, ولاسيما تلك المتشبثة باستقلال القرار الاوروبي, ففي أواسط الستينات, وأمام رفض الامريكيين, وكذلك الانجليز اقرار قيادة ثلاثية داخل الحلف الاطلسي, فقد قرر الجنرال ديجول الذي كان رئيسا للجمهورية الفرنسية الانسحاب من المنظمات العسكرية للحلف الاطلسي في مارس 1966, وتبنى استراتيجية مستقلة, وبحدة أقل فقد قاد المستشار الالماني الاسبق ويلي برانت سياسة الانفتاح, أو ما عرف بالاستوبولتيك في اتجاه المانيا الشرقية وأوروبا الشيوعية, بالرغم من تحفظات الادارة الامريكية آنذاك, وما زالت الاوساط اليسارية, والمثقفين الاوروبيين متشبعين بروح معادية للهيمنة الامريكية, وقد عكست الكثير من المقالات واللقاءات والنداءات هذه الدعوة, والتي أكدت على ضرورة البحث عن اسلوب جديد لمعالجة مثل هذه الأزمات التي تعطي دائما التفوق للولايات المتحدة, لكن الحكومات الأوروبية, رغم الاختلافات التي ظهرت داخلها في معالجة مستجدات مثل هذه القضية, بفعل مواقعها وتحالفاتها التاريخية, تدرك جيدا انها لا تملك هامشا كبيرا من المناورة في مواجهة الولايات المتحدة, فقوة العلاقات الأوروبية الامريكية لا ترتبط فقط بالحكومات, بل اكثر من أي وقت مضى فهي ترتكز على علاقات تستند الى شبكة تدمج داخلها المجتمع المدني والقطاع الخاص, والمنظمات غير الحكومية, لذلك فان الاختلافات التي تظهر بين الجانبين كثيرا ما يتم تجاوزها من خلال الميكانيزمات التي تم استحداثها بين الطرفين. في هذا السياق, رغم تفوقها العسكري, فان الولايات المتحدة سعت الى مواءمة مسلكيتها مع بعض التوجهات الأوروبية المتميزة, وهي التي تنم عن توزيع للادوار, أكثر مما تعبر عن اختلافات فعلية بين الطرفين, لقد استطاع الطرف الأوروبي ان يعيد لأوروبا حضورها في هذه الأزمة من خلال الدور الدبلوماسي الذي قام به رئيس فنلندا ممثلا للاتحاد الأوروبي, والذي تبنى مقاربة تعتمد على اشراك روسيا كفاعل اساسي في الأزمة, بالرغم من الضعف العسكري الذي اعتورها في مواجهة استراتيجية الحلف الاطلسي علاوة على ذلك, فان الاتفاق قد مكن من اعادة الامم المتحدة, ولو شكليا الى معترك الاحداث, وهو موقف يساير التوجه الاوروبي في معالجة القضايا الدولية, وقد بدت الدبلوماسية الاوروبية بفعل هذا الحل, وكأنها قادرة على اعطاء أوروبا دورا اكثر انسجاما مع قوتها, ان التوصل الى هذا الاتفاق بفعل الدور الأوروبي, لايمكن أن يحجب الدور الأمريكي الاساسي, ففي لحظات الأزمة الحاسمة يعود الدور الأمريكي بقوة, كما لاحظنا ذلك في مواجهة ملف وضعية القوات الروسية المنتشرة في كوسوفو, لقد كان من الضروري تدخل الدبلوماسية الامريكية للوصول الى اتفاق تم التوقيع عليه رسميا على هامش مؤتمر كولونيا لمجموعة الدول الثماني الذي يحضره الرئيس الروسي يلتسين, في الوقت نفسه, فإنه يبدو ان هذا المؤتمر قد حسم الملف الثاني الذي كان الاختلاف قائما حوله, والمتعلق باعادة اعمار ما دمرته الغارات الجوية, وقد تم الاتفاق على ان تقوم الدول الاوروبية بأداء هذه الفاتورة, وهو ما يساير الطرح الامريكي الذي ظل يعتبر ان الولايات المتحدة قد قامت بدورها فيما يخص بتأديب صربيا وعلى الدول الأوروبية ان تقوم بما يتطلبه عبء اعادة اعمار وتثبيت الاستقرار في البلقان. ان الوضعية التي عاشها الاوروبيون من جراء هذه الحرب التي وقعت داخل حدودهم دفعت الى طرح النقاش العام حول الدور الأوروبي, والسبل الكفيلة بجعله اكثر استقلالية وقدرة على مواجهة الأزمات والتحديات, ولاسيما في القارة الأوروبية. ان الخطة التي تبناها الاوروبيون بايعاز من المانيا, والمتعلقة بتثبيت الاستقرار في المنطقة على اسس ديمقراطية, من خلال ادماج كافة دول البلقان في النظام الاوروبي وكذا القرار الذي اتخذه زعماء الاتحاد, والقاضي بتعيين الامين العام الحالي للحلف الاطلسي سولانا كمسؤول عن تنسيق السياسة الخارجية والدفاع للمجموعة, ينم عن وعي بأهمية هذا المسعى, ولكنه في الوقت نفسه لا يعني تجاوز كافة المشكلات المرتبطة بهذه الخطوة, فمن الناحية المؤسساتية, لم يتم تحديد ــ بشكل واضح ــ الموقع الذي سيحتله هذا الرجل في هندسة القرار الأوروبي, وهل يعتبر بمثابة مفوض, ام له نظام خاص به؟ فضلا عن ذلك فان بناء سياسة دفاعية مشتركة يتطلب رصد ميزانية ضخمة اعتبارا الى ان التأخر الأوروبي في هذا المجال يبدو كبيرا بالمقارنة مع التكنولوجيا العسكرية للولايات المتحدة, وفي مواجهة تصدر الاهتمامات الاجتماعية لأغلب الحكومات الأوروبية التي تواجه ضغوطا شعبية لمواجهة المشكلات الاجتماعية المتعلقة بالمواطن, سواء ما يخص البطالة أو الصحة أو البيئة .. الخ, فانه لا يبدو الامر يسيرا, خاصة بالنسبة للدول التي تعتبر فقيرة, أو تلك التي لا تشاطر كثيرا النزعات الاوروبية الاستقلالية عن الولايات المتحدة, لكن حتى اذا تم تجاوز هذه العرقلة المادية, فان السياسة الدفاعية الاوروبية لا ينبغي ان تبقى ذات أهداف دفاعية محضة, بل ينبغي ان تطور قوات قادرة, كما هو الآن بالنسبة للولايات المتحدة على التدخل عبر العالم, وهذا المنحى يتطلب تذليل الكثير من المعوقات السياسية, واللوجيستية, وفي ظل غياب هذه السياسة الدفاعية الأوروبية, فان الواقع المعقد يفرض على الدول الأوروبية التعاون مع الولايات المتحدة في تدبير التحديات العالمية التي تهدد النظام العالمي, ولاسيما تلك التي تمس السلم والامن الدوليين. لقد بينت قضية كوسوفو ان مثل هذه الازمات التي تطرح بالخصوص قضايا مرتبطة بحقوق الانسان, لايمكن الا ان تستقطب اتفاق كافة الدول الغربية, فالاختلافات حول ادارة مثل هذه الازمات تبدو عادية, وقابلة للتجاوز في اطار آليات المتابعة التي تربط بين الاطراف الغربية لكن الاختلافات الكبرى بين الولايات المتحدة واوروبا قد ترتبط بصراع حول المصالح الاقتصادية, ولاسيما بفعل اصدار اليورو واستمرار الاندماج الاوروبي, مما قد يطرح مشكلات التنافسية امام الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تحدي تطوير الشراكة الامريكية الاوروبية.