لم تنقطع حتى اللحظة محاولات الامريكيين من حلفاء رئيس الوزراء الليكودي السابق بنيامين نتانياهو لتشويه ما بقي من عملية سلام الشرق الاوسط . اذ ينظر الكونجرس الامريكي حاليا بعدة تشريعات الهدف منها شل ايدي الادارة الامريكية وآخرها يتعلق بنقل السفارة الامريكية لدى اسرائيل من تل ابيب الى القدس لافساد العلاقة بين الادارة الامريكية والسلطة الفلسطينية. واكثر انصار هذه التشريعات هي المنظمة الصهيونية الامريكية وهي المجموعة التي قامت مرارا وتكرارا بدور الجبهة الامريكية المناصرة لحزب الليكودي الاسرائيلي وسياساته المعادية للسلام, وقد قدم هذا التشريع الاخير اعضاء في مجلس الشيوخ والكونجرس معروفون بمواقفهم المعادية للعرب والسلام معا. وقبل اسبوع مضى اعلن الرئيس الامريكي بيل كلينتون قراره بتأجيل اية خطوة الهدف منها نقل السفارة الامريكية في اسرائيل. كما اوضحت الادارة الامريكية انها وفي الوقت الذي تظل فيه منفتحة امام اي حل وسط مع الكونجرس, فإنها لن تنقل السفارة رسميا, لان ذلك سيضر بعملية السلام وبالدور الامريكي في المفاوضات الجارية حاليا بين اسرائيل والفلسطينيين. لكن ذلك لم يعجب بعض اعضاء الكونجرس الذين يستعدون الآن لاتخاذ اجراءات تجبر الادارة الامريكية على الرضوخ لمطلبهم. وهذا ليس إلا جانبا واحدا من الجهود التدميرية الجارية حاليا وراء الستار في الكونجرس. اما مشاريع القوانين الاخرى المقترحة فهي: قرار يدين تمسك الفلسطينيين بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 181 (وهو قرار التقسيم). قرار يعارض الدعوة لعقد جلسة خاصة لمؤتمر جنيف الرابع لحماية المدنيين وقت الحرب على اساس ان مثل هذه الجلسة من شأنها ان (تستفرد اسرائيل) باللوم. قرار يطالب الادارة الامريكية بربط مساعداتها للفلسطينيين بوفاء السلطة الفلسطينية بمطالب معينة من بينها فتح سجلاتها امام التدقيق الدولي والتحقق من الاسلحة التي بحوزتها. قرار يطالب الادارة الامريكية بربط مساعداتها للفلسطينيين بتعاون السلطة الفلسطينية الكامل في مكافحة العنف والارهاب. قرار يطالب وزارة الخارجية الامريكية بإصدار تقرير نصف سنوي بتفاصيل التقدم الذي تحرزه السلطة الفلسطينية في (التحقيق مع المشتبهين بالقيام بأعمال ارهابية والمتورطين بقتل مواطنين امريكيين ومحاكمتهم) . وطبعا هذا ليس إلا بعض ما يجري فالمنظمات الامريكية الموالية لحزب الليكود شنت وما زالت تشن حرب علاقات عامة مكثفة ضد السلطة الفلسطينية تركز فيها على المواطنين الامريكيين الذين لقوا حتفهم نتيجة هجمات نفذت في اسرائيل والمناطق المحتلة. وتعد الادارة الامريكية من جانبها على القول بأن السلطة الفلسطينية تتعاون معها فعلا في التحقيق بهذه الهجمات لكن بعض اعضاء الكونجرس ما زالوا يبذلون جهودهم لاستغلال هذه القضية لارباك السلطة الفلسطينية. وارسل هؤلاء خطابات منظمة الى الرئيس كلينتون يحتجون فيها على ما اسموه (التغطية) على عدم تعاون السلطة الفلسطينية, ويقترحون عقد جلسة للكونجرس للتحقيق في هذا الامر, ويقدمون عدة مشاريع قوانين تدعو لتنفيذ مجموعة من العقوبات ضد السلطة الفلسطينية. وهذا ليس جديدا على المنظمات المناصرة لحزب الليكود المسؤولة عن هذه التشريعات, فقد اظهرت ومنذ انطلاق عملية السلام ادانتها لهذه العملية ولأية مساع قد تفضي بإسرائيل للتنازل عن الارض للفلسطينيين. وبعد التوقيع على اتفاقية اوسلو انطلقت هذه المنظمات للعمل بطلب من زعيم الليكود حينها بنيامين نتانياهو وبدأت بتنفيذ عدد من الخطط الهادفة الى اجهاض عملية السلام واخراجها عن مسارها, فمع بداية عام 1994 نجح هؤلاء في تشكيل لجنة من الكونجرس مهمتها مراقبة وانتقاد السلطة الفلسطينية. ووصلت درجة انحياز هذه الجهود وسعيها الهدام حدا دفع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحاق رابين لادانتها علنا. ووصل الامر بنتانياهو الى ان ارسل ثلاثة مسؤولين اسرائيليين من حزب الليكود الى الولايات المتحدة للقيام بتنظيم هذه المبادرات المعادية للسلام, وحينها ابدى رابين ازدراءه لهؤلاء الذين اسماهم (عصابة الثلاثة) قائلا ان قيام حزب معارضة اسرائيلي بفتح مثل مكتب الضغط هذا في واشنطن امر (غير مسبوق وغير مقبول) . ومع فوز أغلبية جمهورية متشددة للانتخابات التشريعية في نوفمبر 1994 وجدت حملة الليكود حليفا لها في الكونجرس. فكلاهما معاد للعرب ويشتركان بالعداء لادارة كلينتون. واستطاع هؤلاء بالتركيز على القضايا العاطفية ذات الصدى القوي بين جمعية القدس اليهودية والاوساط المعادية للفلسطينيين وإثارة قضايا الارهاب ان يخرسوا كل النقاد من المنظمات اليهودية المعتدلة وان يحصلوا على دعم اعضاء الكونجرس المعروفين بالعداء للعرب والموالاة لاسرائيل بشكل أوتوماتيكي. وأثمرت هذه الجهود بجعل المساعدة الامريكية للفلسطينيين مثقلة بالاهانة والشروط الصعبة, كما تعرضت السياسة الامريكية لقيود صارمة نتيجة الرقابة الشديدة التي بدأ يمارسها الكونجرس على هذه المساعدات. وبذلك كان بمقدور الجماعات المنضوية تحت الجبهة الموالية لليكود ان تلتف حول التيار الرئيسي من جماعات الضغط الموالية لاسرائيل. ولعدم امتلاك اللوبي اليهودي الارادة السياسية والشجاعة لمعارضة الجهود المعادية للسلام, انتهى به الأمر وهو يساندها. والآن ومع انتقال الليكود و4 أخرى لصفوف المعارضة, عاد انصاره الامريكيون لتكثيف مساعيهم التدميرية لإرباك الحكومة الاسرائيلية الجديدة, ولارهاب الادارة الامريكية وتشويه دورها في عملية السلام. وباختصار فإن اللعبة مكشوفة جدا ومكوناتها واضحة ومقبولة تماما, لدرجة ان تأثيرها ان لم يكن ضاريا فستكون مهزلة مضحكة. ويظل الجزء الأغرب من هذه المؤامرة هو كل هذه المشاريع القانونية التي تعرض امام الكونجرس دون ان تحظى بدعم أو حتى معرفة الرأي العام الأمريكي بها (أو حتى غالبية اليهود الأمريكيين). انها حرب سرية قذرة تلك التي يشنها الليكود وأنصاره الامريكان الآن في الكونجرس الأمريكي ضد الفلسطينيين والادارة الامريكية والحكومة الاسرائيلية المنتخبة حديثا والسلام. ويظل الهجوم المضاد الأمثل لمواجهة هذه الحرب السرية القذرة هو حملة نشطة لتعرية هذه الاجراءات الهدامة وتوعية الرأي العام الأمريكي حول الدور المنحاز للسلام الذي يلعبه الكونجرس الآن.