ما العمل في ظل المستجدات الراهنة على الساحة الفلسطينية والعربية الاسرائيلية, بعد وفي ظل الحركات السياسية الواسعة في الجانب الاسرائيلي, لتشيكل حكومة باراك المتوقعة ؟ هذا السؤال المشروع يتبادر ويتردد صداه عند الجميع في الساحة الفلسطينية والعربية وداخل اسرائيل, فمصير عملية التسوية الراهنة واندفاعها من جديد يتوقف على نتائج التشكيل الائتلافي لحكومة باراك. فالمستجدات داخل فلسطين وفي الشتات متسارعة مع تسارع الخطاب السياسي الاسرائيلي على قاعدة لاءات الاجماع اليهودي الصهيوني وبرنامج (سلام اللاتوازن) المطروح اسرائيليا وفق خطوط برنامج حزب العمل بقيادة باراك, فالوقائع اليومية التي تجري على الارض في الضفة والقدس والقطاع تنعكس بالضرورة على مجمل الوضع الفلسطيني سياسيا ومن الجوانب المختلفة. الان تطفو على السطح التناقضات الهائلة بين مشروع سلام لا متوازن, سلام اسرائيلي توسعي تتقدمه اللاءات المعروفة الممثلة لنقاط تقاطع مربعات الاجماع اليهودي الصهيوني وبين مشروع الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية وسلام الشرعية الدولية بتقرير المصير وعودة اللاجئين والاستقلال. والان مع الافكار التي يتم الحديث بها بشأن مصير القدس العربية وما يشاع عن مفاوضات سرية تجرى منذ مدة طويلة بين طواقم من السلطة واقطاب حزب العمل الاسرائيلي تبدو المهزلة بل والفاجعة فالمفاوضات انتقلت من مرجعية اوسلو الذي لا مرجعية دوليه له, الى مرجعية افكار ومبادرات وحوارات ولقاءات سرية تحت اشتراطات الاحتلال المثقلة بالاغلال. ومع هذا ما العمل؟ ان العمل والفعل الحقيقي والاجوبة الملموسة تجاه كل مايجري يعني لنا في الجبهة الديمقراطية مراجعة صادقة واعادة النظر في تقييم كل ما وقع حتى الان, واول اوليات ما يمكن استنتاجه يكمن في العودة الى صياغة جديدة للوضع الفلسطيني بتوحيده وتحصينه وحمايته ببرنامج ائتلافي واقعي وعملي مشترك مستند الى الشرعية والمرجعية الدولية. هكذا نضع عجلات قاطرة الشعب على السكة الصحيحة, وهكذا يمكن ان نبدأ بكسر مسلسل الذل والتنازلات والخضوع للاملاءات ونحول مدن الضفة السبعة وقطاع غزة الى قلاع ومتاريس في وجه قوات الاحتلال وعصابات الاستيطان. هذ هو مفتاح ورقة عمل فلسطينية موحدة لاعادة بناء موقف عربي موحد. ان العالم بأجمعه يدرك حجم التعقيدات الكبيرة الواقعة امام سلام اللاتوازن لذا فالعام كله يؤيدنا ويمد يده الينا, وعلينا ان نمد ايدينا لبعضنا في وحدة وطنية على اساس برنامج مشترك, حتى لا نخسر العالم ونخسر انفسنا. ان كل الاحتمالات واردة, فالحركات على ارض الواقع تتفاعل يوميا والمنطقة بأسرها تنام على حقول بارود, ولا تنام على حرير وعود الراعي الامريكي, بل تنام فعليا على ارضية من التناقضات اليومية بين الشعب الفلسطيني ومصالحه وحياته فوق ارضه, واذلال العرب شعوبا ودولا, وبين عدو متغطرس استيطاني توسعي لا تتوقف شراهته في ابتلاع الآخرين وابتلاع حقوقهم. ان التناقض كان وما زال قائما فوق ارض في الضفة والقدس, والقطاع ومناطق 1948 (4 ملايين) وبين الاحتلال وسياساته وكل هذا يديم عملية الصراع ويسهم بمفاقمة الاوضاع. ان سلام الاوهام المجزوء الذي تم التوصل اليه في اوسلو وتطبيقاته وصولا الى واي بلانتيشن زاد من درجة الاحتدام بين برنامج وطني فلسطيني تحرري مشروع ومحق وبين مشروع معاد ومناقض لقرارات الشرعية الدولية. وهذا ما يزرع المزيد من العبوات الناسفة داخل المنطقة بأسرها وليس في فلسطين فقط. اننا نتوقع افعالا كفاحية فلسطينية شعبية جماهيرية كاملة ومتطورة بأشكال جديدة تستوعب كل المتغيرات وتجربة الانتفاضة الكبرى, كما تستفيد من خبرات الكوادر التي عادت الى الوطن, والانتفاضة القادمة نتاج تراكمات الهبات الدامية في مقارعة الاحتلال والاستيطان والفساد, من هبة الاقصى الى الخليل الى خان يونس الى ترقوميا.. وحرب الاغتيالات التي ادارتها حكومة نتانياهو وصولا الى سياسة الائتلاف الجديد المتوقع تشكيله تحت قيادة باراك وحزب العمل الاسرائيلي. ايضا لا يخفى على احد ان حكومة رابين ـ بيريز وبعد ذلك حكومة نتانياهو وحكومة ائتلاف باراك القادمة عملت على تسعير الوضع الفلسطيني الداخلي والدفع نحو احداث المزيد من التناقضات داخل الاوضاع الفلسطينية ـ الفلسطينية, حذرنا من هذا, ودعونا الجميع الى الوحدة الوطنية وبرنامج القواسم المشتركة, وبالمقابل دعونا وما زلنا ندعو السلطة لوقف التعامل بالاتفاق الامني الموقع مع العدو برعاية وكالة المخابرات المركزية الامريكية التي يديرها ستانلي موسكوفيتش, ووقف كل عمليات الاعتقال السياسي او ملاحقة قوى المعارضة الوطنية واغلاق السجون المنتشرة في مناطقها. ان كل اسرار ووثائق ما جرى ويجرى الآن ومبادرتنا لاعادة بناء الموقف الفلسطيني يمكن ايجاده في المكتبات العربية بكتابنا (اوسلو والسلام الآخر المتوازن) . تفويت الفرصة على محاولات ادامة الانقسام الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني تمليها الضرورة الوطنية والعربية والمصلحة العليا كما تمليها واجبات المعركة ضد التهويد والاستيطان وعلى السلطة ان تغادر موقع الارتهان لاملاءات وطلبات الاحتلال والعمل مع الجميع من اجل اعادة الحياة والروح للبيت الواحد والائتلاف الوطني. وبالنسبة للمفاوضات السرية التي يشاع عنها بشأن القدس العربية وقضايا الحل الدائم فالدلائل تشير الى التواصل المشترك بين فريقي اوسلو الاسرائيلي والفلسطيني, كما ورد في ورقة (بيلين ـ ابو مازن) ومساحة الخلاف اصبحت اقل بكثير مما يعلن في وسائل الاعلام. ان هذه المفاوضات تزيد الامور بلبلة في الساحة الفلسطينية وتزرع المزيد من الانقسامات في الصف الفلسطيني عدا كونها مفاوضات غير مشروعة من خلف ظهر الشعب الفلسطيني ومن دون مرجعية دولية تستند اليها, كما قضايا الصراع المفصلية مع الاحتلال لايمكن البت بها ووضع حلولها دون الائتلاف الوطني الفلسطيني العريض. الاوضاع تتعسر وتزداد تعقيدا وباراك يعلن على الملأ ويندفع نحو خرائط الضم للاجزاء الواسعة من الضفة اضافة للقدس و40% من قطاع غزة في اطار الحلول النهائية. ولكن ماذا يترتب علينا هل نترقب وننتظر الفرج من السماء؟ نبادر ونقدم من جديد مشروعنا الوطني التوحيدي كما في قرارات ومبادرة الجبهة الديمقراطية الصادرة عن المؤتمر الوطني العام للجبهة (مايو 1998) وفيها نقدم رؤية متكاملة ببرنامج وطني واسع لتجاوز واقع الانقسام وحلول سلام اوسلو ونفتح الطريق امام السلام الحقيقي امام قرارات الشرعية الدولية. بتثمير كل طاقات شعبنا بين الداخل والشتات, وهذا الشرط الضروري واللازم وغير الكافي لتوليد معادلة جديدة في الوضع الاقليمي العربي تكسر معادلة السياسة الاسرائيلية الامريكية المفروضة علينا كشعب فلسطيني وكشعوب دول عربية. ان الفرصة مازالت قائمة لاستعادة عوامل القوة في الموقف الفلسطيني بديلا عن سياسة القطيعة؟ سياسة القطيعة مع اي طرف في صفوف شعبنا وفي صف القوى الحية ليس لها وجود في قاموس الجبهة الديمقراطية وفي سياساتنا التحالفية فنحن في مرحلة تحرر وطني نسعى لوحدة الجميع من قوى وطبقات الشعب, ولا نضع في علاقاتنا فيتو ضد احد. اعادة بناء عناصر القوة الفلسطينية تكون نتاج حوار شامل استراتيجي يثمر اعادة بناء وحدة الشعب والصف الوطني ومؤسسات منظمة التحرير ببرنامج قاسم مشترك يتجاوز مظالم اوسلو ويندفع نحو برنامج وسلام الشرعية الدولية المتوازن. الآن نقوم بعمليات الحوار الوطني واللقاءات مع الجميع من اجل الوصول الى خلاص وطني فلسطيني من مأزق المرحلة الراهنة واعادة العافية للجسد الفلسطيني السياسي والتنظيمي النازف والعميق من جراح الانقسام ودمار البرنامج المشترك وتعطيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية, وبشكل نستطيع فيه ان ننتقل خطوة اخرى على طريق فرض معادلة التوازن في مواجهة معادلة سلام اوسلو المزيف.