في عالمنا العربي والنامي والثالث و... يجوز للمسؤولين وأصحاب النفوذ ما لا يجوز لغيرهم, ابتداء بحقوق التملك بلا حدود وانتهاء بحقوق اختراق القوانين بلا حدود أيضا ! ويدخل ضمن هؤلاء كل من يمت إليهم بصلة قربى أو صداقة أو... ولهذا فعندما سألتني احداهن عن مدى تفشي المحسوبيات واختراق القوانين والواسطات في الدول الغربية وأمريكا أجبتها: القضية ليست في الأشخاص فهؤلاء بطبعهم ميالون للتجاوزات والحصول على ما ليس لهم فيه حق, القضية في وجود قانون ملزم أم لا. في الدول الغربية وأمريكا يعيش بشر لا يختلفون عنا في شيء, كل ما في الأمر ان أسلافهم قد كافحوا من أجل بناء هذه الحضارات, وكانوا على وعي بأن القانون أو الدستور ومؤسسات التشريع والتنفيذ والمتابعة هي الأدوات الضرورية لحماية منجزات هذه الحضارات, وانه بدون دستور وقانون ومؤسسات تتحول الحضارات إلى صراع غابات وأنماط حياة كل يعيشها حسب مزاجه وأهوائه ومصالحه. ولذلك فالناس هناك تربت على الخوف من القانون والعقاب, فصار للقانون ومؤسساته رهبة وهيبة, حفظت بهما المصالح والحقوق والحريات. وهذا ما نفتقده نحن للأسف. نحن نتربى على الخوف من الغيبيات, لكننا أول من يخترق القانون وأول من يدعي الخوف من الله, وكأن التربية الدينية شيء, والتربية الاجتماعية شيء آخر, نخرج من المسجد ونمارس الاستهتار بأنظمة المرور, نصوم ونرتكب بشاعات المجاملات الوظيفية من واسطة ومحسوبية, نحج ونعتمر كل عام, لكن انتقاد مراجع أو موظف صغير لممارساتنا المهنية الخاطئة يجعلنا نقذف به في زاوية المغضوب عليهم والضالين, و... غيرها كثير من الممارسات المزدوجة. أحد المواطنين ذهب ليراجع في إحدى المؤسسات وفي كل مرة كان المسؤول يتعالى عليه ويظهر عنجهية غريبة في التعامل معه مع انه كان زميلا له أيام الدراسة, وبمجرد ان شكا هذا المراجع تصرفات المسؤول لموظف في نفس المؤسسة, ونقل الكلام للمسؤول كان جزاء المراجع الانتقام بتأخير معاملته واهمالها و... لقد فوجئ عمدة بلدية ويستمنستر في بريطانيا عندما تلقى مخالفة مرورية لانه كان يوقف سيارته في المكان الخطأ. حدث ذلك منذ عدة أيام, وفوجئ أكثر بأن الشرطي الذي حرر المخالفة كان مصرا على اتمام اجراءاتها خاصة عندما علم ان صاحب السيارة هو عمدة المدينة المعروفة بتطبيق قوانين صارمة ضد السيارات المخالفة. لقد كاد الشرطي أن يحجز السيارة أو يقيدها بحزام من الحديد لو لم يسارع العمدة بدفع الغرامة وسحب سيارته في الوقت المناسب. لقد دفع العمدة الغرامة وقام بتقديم مكافأة رمزية للشرطي في احتفال مهرجان الزهور الذي أقامته البلدة. هكذا يتبدى الفرق بين دول تطبق القانون وفق مؤسسات عقابية وتشريعية صارمة لا مكان فيها للأشخاص والاعتبارات الاجتماعية والوظيفية. وبين دول يكمن اعتبارك فيها بحسب اسمك وانتمائك وعائلتك ونفوذك. ولا عزاء للقانون.