فرانسيس فوكوياما هل تعرفون هذا الاسم؟ في اوائل التسعينات قفز فجأة إلى مستوى النجومية في مجال الفلسفة المعاصرة اكاديميان غربيان, كلاهما من الولايات المتحدة : صامويل هنتنجتون, وفرانسيس فوكوياما, والاخير كما يستدل من اسمه امريكي من اصل ياباني. وبينما ظهر هنتنجتون بنظرية (صراع الحضارات) اشتهر فوكوياما بنظرية (نهاية التاريخ) التي يقول فيها ان النظام الرأسمالي المعاصر باكتمال انتشاره بمساحة العالم وقاعدته التكنولوجية غير المسبوقة, وثورة الاتصالات والمعلومات المساندة له, يعتبر خاتمة التقدم البشري الاقتصادي والحضاري. الان صدر لفوكوياما كتاب جديد بعنوان (الاختلال الكبير) يبدو وكأنه تكملة تصحيحية لنظرية (نهاية التاريخ) ذلك ان الاختلال الكبير اشارة إلى تفسخ المجتمعات الغربية في ظل القيم المادية الصرفة للنظام الرأسمالي. هل النظام الرأسمالي الحديث مع قيم اقتصاد السوق الحر هو المثال النموذجي للمجتمع البشري؟ ان المجتمعات العربية والاسلامية مثلها مثل المجتمعات الاخرى في العالم الثالث, يهمها ان تجد لنفسها اجابة عن هذا السؤال المصيري لان معظم النخب المثقفة في هذه المجتمعات تبشر بالتقدم العصري لشعوبها على اساس احتذاء النموذج الغربي الرأسمالي وكأنه افضل ما ابتدع الانسان. لكن قبل الاجابة عن السؤال يحسن بنا أولا ان نتوقف عند آراء منظر رأسمالي معاصر في مستوى فرانسيس فوكوياما تجاه المجتمع الرأسمالي الغربي نفسه كتجربة قائمة بالفعل. كتاب (الاختلال الكبير) يتحدث بصورة اساسية عن (فقدان التعاضد الاخلاقي) في المجتمعات الغربية في امريكا الشمالية واوروبا الغربية. هذا التدهور الاخلاقي, يقول الكتاب, بدأ في منتصف الستينات ولم يزل يتضاعف حتى اليوم, ويحذر فوكوياما من ان فقدان التكافل الاخلاقي على هذا النحو يهدد النسيج الاجتماعي اللازم لبقاء واستمرار الديمقراطية. ما هي مظاهر هذه الازمة الاخلاقية؟ ابرز المظاهر كما يعددها المؤلف هي: استمرار ارتفاع معدلات الجريمة, تفسخ وشائج القربى, تصاعد المعدلات المخيفة للطلاق, تسارع وتضاعف معدلات انجاب الاطفال غير الشرعيين, وتنامي فقدان الثقة في مؤسسات السلطة بسبب تفشي الفساد وانحرافات القادة. هل هي مظاهر منعزلة عن بعضها البعض؟ وفقا لتشخيص فوكوياما فإن هذه المظاهر كلها ما هي إلا اعراض لمرض واحد يطلق عليه ذلك المنظر (فقدان رأس المال الاجتماعي) , ورأس المال الاجتماعي هذا كما يفسره هو (مجموعة القيم الخلقية التي تمكن البشر من التعاون من اجل الخير المتبادل والمشترك) . ولكن ما هي اسباب هذا التدهور؟ الغريب هنا ان فوكوياما ينتقد التطور التكنولوجي في الغرب وانعكاسه على المرأة, فقد افرزت الثورة التكنولوجيا شيئين: فرص عمل وافرة وسهلة للنساء (الكمبيوتر مثلا) من ناحية واختراع الحبوب المانعة للحمل, انتشار العمل وسط النساء حقق لهن استقلالا ماليا يمكنهن من الوفاء بمتطلبات تربية ما ينجبن من اطفال غير شرعيين دون الحاجة إلى أب, وحبوب منع العمل جردت الجنس من مسؤولية الزواج بحيث لم تعد هناك حاجة ماسة اليه. ومن هنا نشأت اجيال جديدة من الشباب سيىء النشأة المنزلية أو بدون تربية رصينة مما ادى إلى تفشي الجريمة والكفران بأي قيم اجتماعية. وبعد .. الا تعيد النخب الثقافية في العالم العربي والعالم الاسلامي النظر في قناعاتها بشأن التقدم استلهاما للنموذج الغربي؟