يمتلك الوطن العربي من الموارد الطبيعية والمائية والبشرية والمالية, الى جانب ظروف البيئة والمناخ للانتاج الزراعي عامة , والقمح منها خاصة, وتشكل هذه الامكانات والموارد, عوامل اساسية لنجاح التنمية الزراعية, وزيادة معدلات الانتاج النباتي الى المستوى الذي يشبع حاجات الوطن العربي من الغذاء في ظل مستويات عالية من التعاون بين الاقطار العربية. فالامن الغذائي العربي ليس مفقودا وانما المفقود هو الفكر الاستراتيجي العربي, والقدرة على رسم خطوط المستقبل, وبالتالي الاهداف, ثم الارادة الصلبة لتحقيق هذه الاهداف, ولو توافرت هذه العناصر, التي تشكل الارادة السليمة والحكيمة لاي قطر او مجموعة اقطار لاستغلال هذه الامكانات العربية, لتحققت الوفرة الزراعية ووصلت الى مراحل متقدمة من الاكتفاء الذاتي وخاصة القمح من خلال تولد القناعة الاساسية بان القطاع الزراعي يجب ان يكون محركا للتنمية الاقتصادية واسعة النطاق والتحديث وان يكون في نهاية المطاف, على وفق شعار الرئيس التنزاني الاسبق جوليوس نيريرى (يجب ان نجري بينما يمشي الاخرون) بذلك يكون التحدي العربي ممكنا لمجابهة الاحتكار الدولي لتجارة القمح بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وما يصاحبه من ضغوط وابتزاز سياسي واقتصادي ضد الامة العربية من خلال الغذاء. اذ, تمثل الاقطار العربية بمجموعها منطقة عجز غذائي خاصة فيما يتعلق بالقمح, يتم تغطيته عن طريق الاستيراد من السوق الخارجية, ويتوقع ان تزداد معدلات الاستيراد بشكل كبير, بذلك اصبح القمح (كسلعة استراتيجية) يشكل عبئا ماليا كبيرا يستنزف احتياطياتها, كما يمتاز الوطن العربي بتذبذب الاستيرادات والصادرات بشكل كبير, ويعزى هذا التذبذب الى اعتماد الصادرات العربية على الوقود المعدني (تشمل النفط الخام والغاز الطبيعي), حيث تشكل نسبتها 81% من التركيب السلعي للصادرات الاجمالية العربية للسنوات (85 ــ 1995), والتي تعتمد بدورها على السوق الدولية في تحديد اسعارها والطلب عليها. بيد ان ما يمكن ملاحظته في هذا الاطار, ان وضع الغذاء في الوطن العربي بصورة عامة من حيث الكم, بوصفه معدلا عاما للوطن العربي, لا يحتاج الى زيادة, ويمثل معدلات كافية من الطاقة الغذائية, كما ان نصيب الفرد العربي من السعرات الحرارية اعلى من نصيب الفرد في البلدان النامية, بزيادة مقدارها 397 سعرة حرارية, اي بنسبة زيادة 16% عن معدل البلدان النامية, في حين ان نصيب الفرد العربي من السعرات الحرارية اقل من نصيب الفرد في البلدان المتقدمة والبلدان المصدرة الرئيسة للقمح, حيث تمثل انخفاضا مقداره 534 سعرة حرارية عن البلدان المتقدمة, اي بانخفاض مقداره 16% عن البلدان المتقدمة. اما من حيث النوع, فالسكان في الاقطار العربية بصورة عامة يحصلون على 84% من الطاقة الغذائية من المصادر النباتية, وتساهم المنتجات الحيوانية بنسبة 16% من الطاقة التي يتناولها الفرد وهي نفس المعدل العالمي واذا قارنا الوطن العربي بالبلدان المتقدمة والمصدرة الرئيسية للقمح, يتضح ان المصادر النباتية تساهم بنسبة 70% من مجمل الطاقة الغذائية في البلدان المتقدمة, ونسب تتراوح بين (63 ــ 70%) من مجمل الطاقة الغذائية في البلدان المصدرة الرئيسة للقمح, بالرغم من توافر المصادر النباتية لديها والمتمثلة بالحبوب والقمح بشكل كبير, مما يعني ان هناك اختلافا في نمط استهلاك الغذاء في الوطن العربي مقارنة بالبلدان المتقدمة والمصدرة الرئيسة للقمح, بالشكل الذي يزيد من استهلاك القمح في الوطن العربي, حيث يشكل القمح النسبة الكبرى من استهلاك الفرد العربي من الغذاء. يبدو ذلك واضحا, اذا ما اقتربنا من اجمالي انتاج القمح واستيراداته في الوطن العربي واهميتها النسبية مقارنة بالعام للسنوات (80 ــ 1995). فمن ناحية, يمكن الاشارة الى ارتفاع انتاج القمح في الوضع العربي بشكل تصاعدي بالرغم من تذبذبه, فقد بلغ انتاج القمح في الوطن العربي للسنوات (80 ــ 1995) 166.1 مليون طن, بمتوسط سنوي مقداره 12.8 مليون طن, حيث يمثل 2.5% من انتاج العالم من القمح, مما يدل على تخلف الانتاج الزراعي العربي مقارنة بانتاج بلدان العالم من القمح بالرغم من توفر الاراضي الصالحة للاستغلال الزراعي والمياه اللازمة للانبات والايدي العاملة الزراعية, ويعزى ذلك الى عدم اتباع خطط تنموية زراعية سليمة تهدف الى زيادة الانتاج, مع قلة اتباع الاساليب العلمية والتكنولوجية والاستخدام الامثل لمستلزمات الانتاج الزراعي مما ادى الى تعثر نمو القطاع الزراعي والنهوض به نحو تلبية احتياجات الوطن العربي الغذائية عامة والقمح خاصة. فمثلا تحتل كل من المغرب ومصر المرتبة الاولى من حيث انتاج القمح في الوطن العربي, حيث تمثل كل منهما نسبة 21.9%, 20.6% على التوالي للسنوات (80 ــ 1995) ثم تأتي سوريا, الجزائر, السعودية, العراق, تونس بالمرتبة الثانية من حيث انتاج القمح في الوطن العربي, في حين يمثل انتاج سائر الاقطار العربية الاخرى اقل من 1% من انتاج القمح في الوطن العربي للسنوات (80 ــ 1995). من ناحية اخرى, يتضح ارتفاع استيرادات الوطن العربي من القمح بشكل كبير لسنوات (80 ــ 1995) فقد ارتفع من 12 مليون طن عام 1980 الى 21.3 مليون طن عام 1995. وكذلك ارتفعت نسبة استيرادات القمح في الوطن العربي من استيرادات العالم من القمح للسنوات (80 ــ 1995) من 21.3% من اجمالي استيرادات العالم من القمح في عام 1980 الى 186% في عام 1995. اما من حيث استيرادات الاقطار العربية من القمح, فإن هناك تفاوتا بين استيرادات هذه الاقطار من القمح للسنوات (80 ــ 1995) ويعزى ذلك لاسباب عديدة منها عدد السكان مستوى المعيشة, النمط الغذائي, التوسع الحضري الصناعي.. الخ. فمثلا تحتل مصر المرتبة الاولى من حيث اجمالي استيرادات القمح في الوطن العربي للسنوات (80 ــ 1995) وتمثل نسبة 29.7% من اجمالي استيرادات الوطن العربي من القمح, وتأتي بالمرتبة الثانية كل من الجزائر, العراق, المغرب, وتحتل المرتبة الثالثة كل من تونس, اليمن, سوريا, ليبيا, وتأتي بالمرتبة الرابعة كل من السودان, لبنان, الاردن, السعودية, الكويت, وتحتل المرتبة الاخيرة بقية الاقطار العربية, وتمثل كل منها نسبة اقل من 1% من اجمالي استيرادات الوطن العربي من القمح للسنوات (80 ــ 1995). وفي السياق, لاشك ان التحدي العربي للاحتكار الدولي لتجارة القمح, لايمكن ان يتم الا من خلال تنظيم التجارة الخارجية العربية للاستيرادات ذلك من خلال التخفيف التدريجي للمستوردات العربية من البلدان المصدرة الرئيسة للقمح, كالمجموعة الاقتصادية الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية, وزيادتها من الاقطار العربية والبلدان الاسلامية غير العربية وبلدان جنوب اسيا, وسائر بلدان العالم الاخرى, بالشكل الذي ينسجم مع مصالح هذه البلدان الاقتصادية والوطن العربي. باحثة مصرية