من اسهل الذرائع المستخدمة لتبرير العجز العربي وتأجيل مواجهة الهيمنة الخارجية والوجود الصهيوني, القول بالتخلف الحضاري والتكنولوجي من ناحية وغياب الديمقراطية من ناحية اخرى . هناك اسباب كثيرة اخرى تساق في الاطار ذاته, لكن هاتين الذريعتين المتعلقة منهما بالديمقراطية بخاصة, هما الاكثر تداولا لدى قطاع واسع من المثقفين العرب في الفترة الاخيرة تنبع خطورة هذه الرؤية من صعوبة دحضها على الصعيد النظري ومن جاذبيتها الشديدة فمن ذا الذي يغامر بالتشكيك في ضرورة نشوء حالة من التعادل او حتى التفوق التقني العربي مع اعداء الامة, كشرط مطلوب لردعهم في الحد الادنى والانتصار عليهم في الحد الاقصى؟ ويصدق الامر ذاته فيما يتعلق بمستوى الاداء الديمقراطي باعتبار ان التحول الديمقراطي يسمح باطلاق امكانات الامة وطاقاتها الكبيرة بقدر من الفعالية بما يمكنها من الارتقاء بموازين القوى وصولا الى ترجيح الكفة العربية. تبدو هذه الرؤية اذن متسقة منطقيا ومفهومة ومع ذلك فان صوتها الزاعق في هذه المرحلة لاينبغي ان يشغلنا عن التداعيات المقلقة التي يمكن ان تترتب على الايمان بها دون معقب, ولا عن رؤى اخرى تعالج هاتين الذريعتين من منطلقات مختلفة. فمن جهة علينا ان نراعي صعوبة, ولعله استحالة التعرف على القدر المقصود والمناسب من التطور التقني والحضاري الذي يعني اهليتنا لمقارعة الاعداء حضاريا وتقنيا الامر الذي ينسحب ايضا على مستوى التطور الديمقراطي فالمسألة هنا تتعلق بقدرات دينامية متحركة عصية على الضبط الكمي المحدد بل وليس لها تعريف جامع مانع. وهكذا فان من يطالب الامة بأن تعلق نضالها الى ان تتحقق لها معادلة التوازن التقني والديمقراطي مع الاعداء يدفع بها الى دائرة الانتظار التي قد تكون بلا نهاية اذ لن يقعد اعداء الامة عاجزين الى ان يلحق بهم قطار العرب الحضاري والديمقراطي, ان التقدم الحضاري والتقني والديمقراطي عملية ممتدة وبلا ضفاف بالنسبة للعرب وغيرهم, انها عملية بلا حدود واهم من ذلك, انها لايمكن ان تحصل في ظل الضغوط التي يطرحها الاعداء وحجم الهوان القائم في هذه المرحلة او المراحل التالية مستقبلا. ومن جهة ثانية يتجاهل دعاة الشرطين التقني والديمقراطي على نحو لازم حتما لمواجهة الاعداء والخصوم, ما تنطوي عليه خبرات الشعوب والامم الاخرى. هناك شعوب كثيرة تصدت لمعارك التحرر والاستقلال والحفاظ على الهوية, على الرغم من وقوعها تحت طائلة المعادلة ذاتها اي التخلف التقني والديمقراطي مقارنة بالاعداء وبشيء من التأمل قد نتجاوز الى الادعاء بأن هؤلاء الذرائعيين يغضون النظر عن تجارب العرب انفسهم في بعض المراحل فلا العرب كانو متقدمين تقنيا وديمقراطيا عام 1973 حين خاضوا نوعا من حرب التحرير القومية, ولا الفلسطينيين كانوا متفوقين تقنيا وديمقراطيا اثناء الاخذ بمنهج الكفاح المسلح والمدني لاسيما ابان الانتفاضة. المشكلة العربية ليست كما يقول البعض عن حق ونشاركهم الرأي في النقص الحضاري والتقني والديمقراطي ولكنها تتأسس على اسلوب ادارة الصراع والتحديات والتعامل مع المستوى المتوفر حضاريا وتقنيا وديمقراطيا بين يدي المجتمعات العربية. المراد بذلك, ان استغلال الحد الادنى القائم من الشروط التي يطرحها الذرائعيون هو بحد ذاته شرط للارتقاء بالحال العربي النضالي وتحسين الاداء اما التوقف عن الحركة والاستجابة للتحديات الخارجية انتظارا لتوفر كل المطلوب حضاريا وتقنيا وديمقراطيا فلن يفضي الا الى الانتكاس عن الحد القائم الان, ومن ثم الى الهزيمة النهائية. وفي حقيقة الامر, ليست لدينا ولا لدى كائنا من كان وصفة كاملة وناجعة لدرجة النضوج الحضاري والتقني والديمقراطي, التي يمكن الزعم عندها بأن الامة اضحت في حالة جهوزية لبدء الحركة النضالية من اجل حقوقها, لم يسبق لامة ما ان فعلت ذلك حتى يقتدي بها العرب, كل الامم تستهل نضالها عند مواجهة التحديات, بما هو متاح لها من امكانات ومن الواضح انه في غمرة المواجهة او حين تستنفر ارادة المواجهة تكتشف الامم انها تستحوذ على امكانات اكبر مما كانت تتصور فما يظهر من ملكات نضالية في معمعة الحركة والاستجابة يخرج بالفعل عن اطار التقديرات والتوقعات السائدة في حالات الدعة والسكينة او الخنوع والاستسلام لما جرت به المقادير. ولعله من المثير حقا ان تكون فكرة المقاومة من اجل الحفاظ على الذات وصيانة المصالح شائعة في كل الكائنات الحية جميع الموجودات تنزع الى الدفاع نفسها وهي في هذا الاطار تبدع وسائلها وآلياتها الخاصة وليست الشعوب المعرضة حقوقها للانتهاك وحملات العدوان استثناء من هذا التعميم (القاعدة) فلم يكن الجزائريون ندا بالمعنى التقني والديمقراطي للفرنسيين ولا كان الفتيناميون معادلين للعدو الفرنسي والامريكي على الصعد ذاتها بيد ان احدا من هؤلاء وهؤلاء لم يتوقف ليعتذر عن المقاومة نزولا عند هذه الحقائق لقد ابدع الطرفان واستحدثا المداخل المناسبة لمعالجة العدوان كل وفق ظروفه وكتبت لهما الغلبة. واجمالا يصح القول استلهاما لعبر التاريخ العربي وغير العربي ان الطور الحضاري والتقني والديمقراطي ليس شرطا خطيا او حتميا للاقدام على عدوان او للشروع في المقاومة فالامم المحسوبة في عداد المتقدمين تلك الموصوفة بالتخلف وهما حقيقتان نسبيتان بالمناسبة يمكن ان تقترف سلوكا عدوانيا او ان تقاوم اذا اعتدي عليها.. كان الفرنسيون يقاومون النازية وكلاهما المعتدي والمقاوم في زمرة المتقدمين وكان البريطانيون والفرنسيون والهولنديون والبلجيكون يقاومون النازية بأيمانهم فيما كانوا يقمعون معظم شعوب الارض بشمائلهم! وقد تقاتل الاثيوبيون والارتيريون وهما من شعوب العالم الثالث او الرابع تقنيا وديمقراطيا حدث ذلك زمن الاحتلال الاثيوبي لاريتريا ومازال يحدث حتى وقتنا الراهن. ان السعي الجدي نحو التقدم التقني والديمقراطي عمل نبيل, غير ان ارجاء الجهد الكفاحي من خلال الممكن بزعم التفرغ لهذا العمل, يمثل دعوة للقعود واهدار الحقوق حاليا ومستقبلا اذ من هو العدو الاحمق الذي سيتيح للعرب فرصة لالتقاط الانفاس والتطور التقني والديمقراطي كي يستأنفوا النضال على قاعدة من التوازن في اي وقت؟ كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة