فكرت ذات مرة ان اكتب كتاباً بعنوان (رجال يوليو) اروي فيه قصة العلاقة بين الرجال الاربعة عشر, الذين تشكل منهم مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 في اقصى اتساع له : من اين جاء كل منهم.. وكيف تكون وعيه السياسي.. وكيف تعرف الى الآخرين.. ومتى انضم الى تنظيم الضباط الاحرار.. وما الذي جرى منه منذ قفز من الكواليس الى مقدمة المسرح..وتحول من كومبارس الى نجم.. يسطع اسمه في كل صحيفة.. ويجلجل صوته امام كل ميكرفون.. ويتحرك رسمه على كل شاشة. ثم اروي ما جرى له منذ وقع الخلاف بينه وبين زملائه, فإذا بالرجال الذين غامروا بحياتهم ليلة 23 يوليو من اجل الوطن, والذين كان كل منهم ليلتها على استعداد لان يفدي الآخرين بحياته يتغيرون, واذا بالخلاف في السياسة ــ او على السلطة ــ يدفع بعضهم الى اخلاء الآخرين قسراً من فوق خشبة المسرح الى جب الزنانين, فتنطفىء من حولهم الأضواء ويخفت التصفيق وتصدر الاوامر فلا يعود احد يرى لهم رسماً او يسمع لهم صوتاً, او يقرأ لهم اسماً, حتى في صفحات الوفيات.. وكنت ادرك ان علم ــ او فيلم ــ التاريخ.. يحفل بصفحات لا تختلف كثيراً عن افلام (يوسف وهبي) و(حسن الامام) , تزدحم بالمصادفات والمفاجآت والضحكات والدمع السخي, ويرتفع بين سطورها رجال الى القمة الشماء.. ثم يقعون من حالق فتدق اعناقهم ولم يكن رجال يوليو استثناء من هذه القاعدة العامة التي تسير علم ــ او فيلم ــ التاريخ. وهذا ما اكتشفته وانا اقلب صفحات الكتب والوثائق والمذكرات بحثا عن اسباب انسحابهم واحداً بعد الآخر من فوق خشبة المسرح لتنتهي فجأة ادوارهم, كما بدأت فجأة فلا يبقى من الرجال الاربعة عشرة يوم اسدل الستار على مسرحية يوليو بوفاة (عبدالناصر) في 28 سبتمبر 1970 سوى اثنين فقط: (انور السادات) و(حسين الشافعي) . وفي كل مرة ينسحب منها احد الابطال من فوق الخشبة كانت الديمقراطية هي السبب وكان يوسف صديق, الذي استولى بقواته ليلة 23 يوليو على مبنى ادارة الجيش واعتقل قادته وقام بالخطوة الاولى التي لولاها لما نجحت الثورة هو اول المنسحبين فقد استقال من عضوية المجلس لانه كان يعترض على ان يحكم العسكر, ويطالب بعودة الجيش لثكناته. وكان التالي هو خالد محيي الدين الذي كلفه مجلس قيادة الثورة اثناء ازمة مارس 1954 كان يشكل وزارة مدنية, تتولى مع رئيس الجمهورية محمد نجيب تهيئة الاوضاع لاعلان الدستور, بحيث تتحول مصر الى جمهورية برلمانية تقوم على التعددية الحزبية, على ان يشكل قادة الثورة حزبا باسم (الحزب الجمهوري الاشتراكي) يخوض الانتخابات وعدل المجلس عن قراره بعد 24 ساعة وتقرر اخلاء المسرح من خالد محيي الدين لانه يروج للافكار الديمقراطية الهدامة بين ضباط سلاح الفرسان. وكان ثالث الذين اجبروا على الانسحاب من فوق الخشبة هو اللواء (محمد نجيب) الزعيم الواجهة للثورة الذي رفع شعارات الديمقراطية اثناء ازمة مارس 1954 وتعهد بعودة الحياة البرلمانية والتعددية الحزبية وحشد حوله تأييد النخبة, الى ان نجح مجلس قيادة الثورة في مواجهته بمظاهرات (عمالية) خرجت الى الشوارع تهتف: تسقط الديمقراطية.. وبعدها بشهور, انتقل من القصر الجمهوري الى معتقل قصر المرج ليظل اسيراً به لمدة ستة عشر عاماً. وكان الرابع هو الصاغ (الرائد) صلاح سالم, الذي صرخ في وجه زملائه اعضاء المجلس: تنازلوا عن السلطة وجيبوا هيئة تأسيسية لتحكم البلد, وكان الخامس هو شقيقه جمال سالم الذي اصر على الاحتفاظ بمجلس قيادة الثورة بعد انتهاء فترة الانتقال ليكون بمثابة مجلس استشاري يشارك مع رئيس الجمهورية في رسم السياسات فلما رفض عبدالناصر, انسحب احتجاجاً على الديكتاتورية. وكان السادس هو قائد الجناح (عبداللطيف البغدادي) الذي توفي في بداية هذا العام, وقد غادر المسرح في مارس ,1964 ورفض الاشتراك في الحكم, لان مجلس الرئاسة الذي كان عبدالناصر قد شكله عام 1962 ليكون بمثابة قيادة جماعية تشترك مع الرئيس في اتخاذ القرارات, قد تحول الى مجلس شكلي لا يجتمع وتصدر قرارته بالتمرير.. وهو السبب نفسه الذي استند اليه سابع الذين انسحبوا من مقدمة المسرح الى خلفيته, وهو الصاغ (الرائد) كمال الدين حسين الذي غاب عن دنيانا هذا الاسبوع والذي ما كاد يقرأ في الصحف القرار بقانون رقم 119 لسنة ,1964 الذي يمنح لرئيس الجمهورية في غير حالات الطوارىء حق اعتقال كل من سبق اعتقاله او محاكمته بتهم تمس امن الدولة, حتى صاح هذا قانون لا يصدره فرعون ذات نفسه. باستثناء يوسف صديق وخالد محيي الدين فإن الديمقراطية لم تكن السبب الحقيقي لانسحاب الآخرين من فوق خشبة المسرح.. وفضلاً عن ان الديمقراطية التي كانا يطالبان بها لم تكن هي نفسها الديمقراطية الليبرالية التي كانت اساس النظام السياسي السائد قبل الثورة.. فإن كلاً منهما قد ندم بعد ذلك على تشدده الديمقراطي, انطلاقاً من انه لو كان قد ظل في موقعه داخل مجلس قيادة الثورة لاستطاع ان يفيد الثورة ويفيد الديمقراطية اكثر مما فعل بانسحابه الذي قضى على اي تأثير له على مسار الاحداث.. اما الآخرون فقد كانت الديمقراطية هي (قميص عثمان) الذي يلوحون به عندما يحرمون من نعمة المشاركة في ممارسة الديكتاتورية, فيتقلص نفوذهم وتتراجع اختصاصاتهم ويتقدم عليهم غيرهم سواء من زملائهم في الصف الاول او من اتباع هؤلاء من الصفوف التالية. والحقيقة ان احداً منهم لم يكن ديمقراطياً فقد كانت الديكتاتورية كطريق للتحرر من الاستعمار ووسيلة للتنمية الاقتصادية والقضاء على التخلف الاجتماعي والسياسي موضة شائعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكانت هي الاختيار الذي انتهى اليه مجلس قيادة ثورة 23 يوليو بعد ان تخلص من يوسف صديق وخالد محيي الدين بل ان بعض اعضاء المجلس ضاق بما كان يجري بينهم من مناقشات ديمقراطية مطولة, فأعلن أنور السادات انه لن يحضر جلسات المجلس ولن يناقش, وانه يوافق على كل ما يراه عبدالناصر, وكتب له تفويضاً بأن يصوت نيابة عنه في كل موضوع يطرح للمناقشة واقترح جمال سالم اثناء الازمة مع محمد نجيب على المجلس ان يفوض عبدالناصر في اتخاذ ما يشاء من قرارات على ان يتداول مع الاعضاء تليفونياً فيما يرى استشارتهم فيه. وحين اقتربت فترة الانتقال من نهايتها, ناقش مجلس قيادة الثورة تصورات المستقبل, فلم يطالب احد بالديمقراطية ولم يعارض احد انور السادات الذي كان عائداً من رحلة آسيوية حيث قال انه لاحظ في البلاد التي زارها ان حكم الفرد قد حقق لها اهدافها الوطنية والاجتماعية ووافق المجلس بالاجماع على حل نفسه, وعلى تسليم السلطة لـ (عبدالناصر) وعلى ان يتولى كل عضو من اعضائه الدور الذي يكلف به, بحيث لا يكون مسؤولاً عن غيره.. وعلى عكس ما شاع بعد ذلك فإن محمد نجيب لم يكن ديمقراطياً ولم يعترض على اي قرار من القرارات التي اتخذها مجلس قيادة الثورة, والتي وصفت بعد ذلك بأنها ديكتاتورية من قرار حل الاحزاب الى قرار اسقاط الدستور ومن قرار حل الاخوان المسلمين الى التصديق على اعدام عمال كفر الدوار وفيما عدا قانون الاصلاح الزراعي الذي تحفظ عليه, فقد كان متحمساً لحكم الفرد طالما كان هو هذا الفرد, وللديكتاتورية طالما كان هو الديكتاتور فلما بدأ الصراع على السلطة بينه وبين عبدالناصر وتنبه الى ان مجلس قيادة الثورة يسعى لتقليص شعبيته وخاصة داخل القوات المسلحة ويدير الامور من وراء ظهره, ويسعى لتركيز الاضواء على زعيم الثورة الحقيقي, ثار ولوح في وجه الجميع بقميص الديمقراطية.. فكان لا بد من ازاحته من فوق خشبة المسرح بأسلوب لم يكن يخلو من الخشونة والقسوة, وليس ذلك على اي حال نادر الحدوث في علم ــ او في فيلم ــ التاريخ. وكان ذلك ايضاً ما حدث مع صلاح سالم وجمال سالم وما حدث كذلك مع كمال الدين حسين الذي كان في بداية الستينات يحوز تسعة مناصب في وقت واحد, اذ كان رئيساً للوزارة ومشرفاً عاماً على الاتحاد القومي, ووزيراً للادارة المحلية, ورئيساً للمجلس الاعلى للعلوم ورئيساً للمجلس الاعلى للفنون والآداب ورئيساً للمجلس القومي للبحوث ونقيباً للمعلمين ورئيساً للمجلس الاعلى للجامعات ورئيساً للمعاهد القومية. وعلى امتداد السنوات الاثنتي عشرة الاولى من عمر ثورة يوليو, التي كان خلالها كمال الدين حسين يتقلب بين هذه المناصب وغيرها, لم يشاهد يوماً وهو يرتدي قميص الديمقراطية فمع انه كان عضوا بالجهاز السري للاخوان المسلمين فإنه لم يعترض على المحاكمات غير القانونية التي اجريت لهم عام 1954 وانتهت باعدام ستة منهم, وصدور احكام قاسية بالسجن بحق المئات ولم يعترض على حملة الاعتقالات الواسعة ضد الشيوعيين بين عامي 1959 و1964 التي قتل خلالها ثمانية منهم تحت التعذيب او بسبب اهمال الرعاية الطبية.. بل وشارك بفاعلية في الحملة الدعائية التي بررت ما اتخذ من اجراءات قاسية ضد الطرفين, كان الهدف منها هو استئصال المعارضين وحتى المختلفين.. وما كاد نجم علي صبري يبرز ليلهف منه منصب رئيس الوزراء, ويتقدم انور السادات ليشاركه المسؤولية عن الاتحاد القومي ثم يتركه لـ (حسين الشافعي) ليرأس مجلس الامة, ليجد كمال الدين حسين نفسه, مجرد نائب للرئيس بلا سلطات وبلا اختصاصات, حتى اعتكف في منزله في اغسطس 1963 يتأمل فيما جرى وبعد سبعة اشهر, وفي مارس 1964 استدعاه عبدالناصر, ليعرض عليه ان يكون عضواً باللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ومسؤولاً عن اجهزة الرقابة في الدولة فيوافق ثم يعود في اليوم التالي فيعتذر بعد ان اكتشف ان صورة المشاركة المعروضة عليه, غير واضحة, وادرك انها مجرد شلوت اخر لأعلى! وهكذا اكتشف كمال الدين حسين بعد ان سحبت اختصاصاته ان القوانين الاشتراكية التي عرضت عليه قبل اصدارها فوافق عليها فيها شبهة ماركسية ورائحة الحاد والعياذ بالله.. وتنبه بعد اثني عشر عاماً من المشاركة في الحكم ان البلد يحكم حكماً ديكتاتورياً. فعاد الى قواعده سالماً, واخذ يوزع على زواره كتاب (معالم على الطريق) الذي كتبه المرحوم سيد قطب ثم كتب رسالته الشهيرة الى عبدالناصر, التي استهلها بعبارة (اتق الله) احتج فيها على اعتقال الاخوان المسلمين وتعذيبهم فأمر باعتقاله. وهكذا بدا لي رجال يوليو, تنويعاً على بطل قصة يوسف ادريس الشهيرة (طبلية من السماء) الذي دفعه الجوع للصعود الى قمة مئذنة القرية, ليهدد اهلها بأن يعلن كفره بالله ما لم يطعموه, فيكون ذنبه في رقبتهم فما يكاد الواحد منهم يفقد نفوذه, حتى يهدد زملاءه قائلاً: ح تدوني سلطة ديكتاتورية زيكم والا اعمل فيها ديمقراطي وافضحكم.. ومع ان اهالي القرية خضعوا لتهديد بطل القصة, فنزل من فوق المئذنة ليجد امامه اشهى الاطعمة, الا ان معظم الذين ساروا على دربه من رجال يوليو كان ينزلون ليجدوا في انتظارهم من يقودهم الى المعتقل.