حسناً فعل لبنان أنه قرر تقديم شكوى الى محكمة العدل الدولية يطالب فيها اسرائيل بتعويضات عن الأضرار المادية التي لحقت بمرافقه من محطات كهرباء وجسور وطرق في القصف العدواني الأخير , وتجاهل بذلك مجلس الأمن الدولي, فقد تعودنا من هذا الأخير قرارات ادانة لا أكثر, وفي حال أصدر قراراً فانه غير ملزم لاسرائيل, بدليل عشرات القرارات التي تتجاهلها اسرائيل وتضرب بها عرض الحائط وطوله. ويتطلب الأمر من لبنان ان يتابع الشكوى باصرار الى نهايتها, وأن يجمع لها كل ما يستطيع من أدلة وأن يحشد لها كل ما أوتي من براهين, على الطريقة نفسها التي تقوم بها اسرائيل, التي لا تترك قضية صغيرة ام كبيرة, تعتبر ان لها حقاً ضائعاً فيها الا وتابعتها وحشدت لها التأييد وتطالب بتعويضات عنها تصل الى مئات الملايين من الدولارات, من قضية ما يسمى بضحايا الهولوكوست التي تقبض عنها سنوياً تعويضات من ألمانيا حتى اليوم الى ما سمي بذهب اليهود في سويسرا مؤخراً. والعدل الدولي طبعاً غير موجود اليوم, والا كان هذا العدل قد أثمر في اسرائيل بتأديبها والزامها حدودها وتطبيق معايير العدل عليها, سواء لجهة تنفيذ القرارات الدولية أو تعويض ضحاياها من الدول والأفراد, أم لجهة اعادة الحقوق المغتصبة لأصحابها, وهي حقوق معروفة تاريخياً وقانونياً ولا تحتاج الى ايضاحات, فاسرائيل اغتصبتها لتقيم عليها دولتها, ما يجعلنا لا نأمل كثيراً من محكمة العدل الدولية, أكثر من التشهير باسرائيل وعدوانها حتى لو أقرت تعويضات للبنان, فاسرائيل تقبض فقط, ولا تدفع, بما في ذلك قبضها الأرواح. غير أن العيار الذي لا يصيب يدوش, ونحن سكتنا زمناً على اسرائيل, وتماديها وعنصريتها وعنجهيتها وقذارتها بحجة اننا نصنع معها سلام الشجعان, وهو السلام الذي لا يصنعه فعلاً سوى الشجعان, لا الجبناء أمثال اسرائيل الذين يغيرون ليلاً على محطات الكهرباء والجسور, فنأمل من لبنان عند متابعته لقضية طلب التعويضات أن يدوش اسرائيل حتى الصداع وأن يعرضها الى التعرية وكشف كوامن العدوان فيها, وان ينجح في ذلك كل نجاح من حيث فشل العرب كلهم, ومن حيث فشل العالم أيضاً الذي بات يخشى الحديث عن اسرائيل سلباً ليتلافى تهمة معاداة السامية. وبما أن لبنان صاحب تجربة سابقة ومستمرة مع اسرائيل فانه البلد الوحيد الذي يستطيع فعلاً ان يسبب مثل هذا الصداع لاسرائيل, بدليل ان المقاومة الوطنية فيه والمستمرة حتى اليوم على الرغم من حالة الانهيار العربي العام التي تقترب من حالة الاستسلام والخضوع, تسبب من الأذى لاسرائيل ما عجزت عنه الدول العربية مجتمعة, كما تسبب له من الفضح والتخبط والارتباك ما تعجز عنه كل وسائل الاعلام, فهذه مشغولة للأسف عن اسرائيل بعظائم الأمور من لطيفة التونسية الى فطومة العمانية. وهكذا فاننا لسنا مع المحللين والراكضين خلف أوهام سلام الشجعان, فيما اذا كان ايهود باراك رئيس الوزراء المنتخب على علم بالغارات الأخيرة أم لا, ذلك لأن باراك لن يغيّر شيئاً في السياسة الاسرائيلية العدوانية تجاه العرب عموماً, فهو ونتانياهو وجهان لعملة واحدة, ان لم نقل مؤخرة واحدة في سروالين, فلا فرق ان كان يعلم ام لا يعلم, وربما وجد منه العرب غداً ما هو أفظع مما يجدونه اليوم من نتانياهو, فيتذكرون مثلاً ان الذي ارتكب مجزرة قانا شيمون بيريز نفسه الذي ينظر للسلام كما لا يفعل داعية سلام حقيقي. وبما ان اسرائيل تبقى اسرائيل الا لمن يحب ان يتجاهل هذه الحقيقة, فان لبنان الذي لن يحصل من محكمة العدل الدولية ولا من اسرائيل على أية تعويضات, يستحق دعماً عربياً أكثر, مادياً وسياسياً معاً, عن طريق دعم صموده ومقاومته للاحتلال, فيكون ذلك خير تعويض له, لولا ان التجارب علمتنا للأسف, ان اسرائيل تقتل القتيل وتسير في جنازته, بينما العرب يتفرجون.