ماهي القاعدة الامريكية التي يمكن ان تستنبط في التدخل العسكري الامريكي العارم باسم (الحلف الأطلسي) في اقليم كوسوفو بغرض حماية الاقلية الالبانية المسلمة في جمهورية يوغسلافيا ؟ وهل توجد قاعدة اصلا؟ في الممارسة الدبلوماسية العملية عنصران: المبدأ الاخلاقي والمصلحة الوطنية العليا. وقد ثبت عمليا انه عندما يتناقض المبدأ الاخلاقي مع المصلحة فإن المبدأ يضحي به دون تردد لنصرة المصلحة, والولايات المتحدة ليست استثناء بين الدول في هذا الصدد. ولذا فإن النظرة الامريكية الى اوضاع الاقليات في العالم تتفاوت وتتناقض وفقا للحسابات المصلحية والاعتبارات (الجيوبوليتيكية) التي تقرر توجهات السياسات الامريكية العالمية. من هذا المنظور ناصرت امريكا الشعب الالباني في كوسوفو رغم انه مسلم, وليس معنى هذا ان واشنطن تناصر حق اية اقلية بغض النظر عن هويتها الدينية لكن يعني ان هناك اعتبارات اخرى اقوى من زاوية المصالح الاستراتيجية الامريكية العليا. فقد ظلت الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية تتوق الى موطيء قدم في منطقة البلقان كقاعدة متقدمة لتحجيم نفوذ الاتحاد السوفييتي سابقا وروسيا راهنا. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة وانهيار الانظمة الاشتراكية في شرق اوروبا واحد تلو الآخر تم توسيع نطاق الهدف الاستراتيجي الامريكي ليشمل يوغسلافيا الصربية كاخر قلعة صمد فيها النظام الشمولي. لهذه الاعتبارات رحبت الولايات المتحدة بالفرصة التاريخية التي اتيحت لها مؤخرا لاقامة وجود عسكري وسياسي في اقليم كوسوفو رغم ان هذه الفرصة مرتبطة بشرط مناصرة الاقلية الالبانية المسلحة. والآن وقد تحقق الهدف الاستراتيجي المطلوب فإن المتوقع ان تنتبه واشنطن الى التعامل مع (الحقيقة الاسلامية) في البلقان من منظور الحيلولة دون تحول اقليم كوسوفو الى دولة اسلامية مستقلة داخل اوروبا. ان مجابهة الكيانات الاسلامية الراديكالية من صميم ثوابت السياسة العالمية الامريكية وعلى أساس هذه القاعدة فإن ماجرى في كوسوفو لن يتكرر بالضرورة بالنسبة الى كشمير مثلا, فالهند من المنظور الاستراتيجي الامريكي ليست يوغسلافيا الصربية, الهند حليف بينما يوغسلافيا عدو. غير ان اكثر ما يوضح الازدواجية الامريكية تناقض نظرة واشنطن الى الاقلية الكردية في تركيا مع نظرتها الى الاقلية الكردية في العراق. فأكراد تركيا (متمردون) على السلطة المركزية ومطالبتهم بالحكم الذاتي مطالبة (غير مشروعة) وتنظيمهم ــ (حزب العمال الكردستاني) (جماعة إرهابية) بينما تعتبر واشنطن اكراد العراق ثوارا ابطالا في وقوفهم ضد سلطة بغداد... ويجد مطلبهم بالحكم الذاتي اعترافا امريكيا رسميا. وفي افريقيا تناصر واشنطن التمرد في جنوب السودان بقيادة جون قرنق من منظور استراتيجي عريض لمستقبل القارة الافريقية كما تراه امريكا وفقا لمصالحها, رغم انه منظور يأخذ العامل الديني في الاعتبار, وبناء على هذا المنظور فإن الولايات المتحدة تعمد الى صد المد الثقافي العربي الاسلامي المتدفق من الشمال الافريقي لتحجيم انتشاره في الجنوب الافريقي, خاصة بين شعوب شرق افريقيا (كينيا واوغندا وتنزانيا) التي تتكون ثقافتها جزئيا من تراث عربي اسلامي وتعيش بينها اقليات تدين بالاسلام. وبما ان جنوب السودان يمكن ان يشكل جسرا ومعبرا للمد الاسلامي العربي من الشمال فإن التدبير الاستراتيجي الامريكي يقضي بتحويل هذا الجسر الى منطقة عازلة بجعله في حالة حرب مستديمة. فالسلام في هذه المنطقة يشجع التواصل التجاري والثقافي والسياحي بين شمال افريقيا وجنوبها. واذا كان هناك من يرى ان التدخل الامريكي في كوسوفو نابع من مبدأ اخلاقي وليس ضرورة استراتيجية مصلحية فليعد النظر وليتأمل الواقع العالمي.