يؤمن ادوارد سعيد بأن التاريخ نصفه هلوسة.. ونصفه خطابة.. والذي يتجاوز هذا التصور لن يفلت مثل الفئران من مصيدة الرقابة . وإدوارد سعيد هو عجينة.. أو سبيكة.. أو كرة صوف متشابكة الخيوط.. فهو فلسطيني ولد في القدس.. وهي مدينة مقدسة لكن أباه كان يصفها بالموت.. أمه لبنانية لكنه تربى في القاهرة.. تعلم وتأثر بالثقافة الانجليزية رغم انه يحمل الجنسية الامريكية.. يقاتل معركة بلاده ضد القسوة والهيمنة الاسرائيلية ولكن في الشتات أو المهجر أو المنفى على بعد ألوف الميال في الولايات المتحدة.. يهوى الكتابة ولكنه يجد نفسه في السياسة.. وهو مثقف من الوزن الثقيل.. لكنه معروف ومشهور في العرب أكثر من شهرته في بلاده.. بلاد العرب.. يفكر احيانا من اليمين الى الشمال لكنه يكتب غالبا من الشمال الى اليمين. في ليلة بدت فيها القاهرة متمردة على حرارة يوليو وأحزانه جلست معه على مائدة عشاء كان المضيف فيها هو محمد حسنين هيكل.. أما الضيوف فكانوا رموزا لامعة من المبدعين والأكاديميين والدبلوماسيين.. ورغم ان ادوارد سعيد كان قد جاء من تكريم رسمي في الجامعة الامريكية الا انه كان يعتبر الحوار مع مثقفي القاهرة ورموزها هو ما يمكن ان يعود به منتشيا.. وكان مثيرا في تكريم الجامعة الامريكية ان رئيس الجامعة ــ الذي قلده الدكتوراه الفخرية ــ الدكتور جون جيرهات كان من بين طلابه الذين قام بالتدريس لهم. لقد رحت أتأمل ملامحه التي بدت شاحبة من فعل اللوكيميا.. أو سرطان الدم ــ الذي اكتشفه يجري في عروقه في ليلة انعقاد مؤتمر مدريد في سبتمبر 1991 ــ وكأنه شاعر خرج توا من رحم قصيدة عذبته وسحقته وذوبته.. ورحت أيضا اتساءل كم مواطن في عالمنا العربي يعرفه؟ وكم مواطن يعرف أولئك الذين يحترفون الكتابة دون ان يفرقوا بينها وبين الصرافة؟.. ولماذا لم يحقق بين النقاد تلك الشهرة التي يحظى بها الذين ينقضون على حياتنا الثقافية كالجراد؟.. انه من ذلك الطراز المصلوب في زماننا العربي.. المقلوب. ولد ادوارد وديع ابراهيم أبو سعد في القدس القديمة.. زهرة المدائن في عام 1935.. وهو لا يعرف من أين جاء لقبه العائلي الذي يحمله حتى الآن.. (سعيد) .. ولكنه يعرف ان تناقضا واضحا يثير الاستغراب في اسمه.. ادوارد (على اسم الملك ادوارد الذي تنازل عن عرش بريطانيا من أجل الحب).. وسعيد (وهو اسم شائع في فلسطين).. فنصف الاسم غربي.. ونصفه الثاني عربي.. وهو ليس التناقض الوحيد الذي عرفه في حياته.. فهو لم يعرف ــ على حد قوله في مذكراته التي ستصدر في سبتمبر 1999 عن دار نشر جراتيا ــ أية لغة بدأ التحدث بها.. العربية أو الانجليزية.. (أو أيهما يقينا لغتي) .. وهو الذي ولد في بيئة عربية خالصة لكنه فوجىء بأنه وهو طفل صغير يحمل الجنسية الأمريكية مثل أبيه الذي عاش فترة من عمره هناك.. والتحق بالجيش الأمريكي وأدى الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى. بعد قرار تقسيم فلسطين في عام 1947 لم تشعر اسرته بالأمان فهاجرت الى مصر.. ليتعلم ادوارد سعيد في كلية (فكتوريا) .. وهو ما عمق التناقضات في حياته.. فهو أمريكي الجنسية يدرس في مدرسة انجليزية ويعيش في دولة عربية.. ولكن القاهرة أتاحت له ان يعيش أجواء الحياة الثقافية والفنية والسياسية بحرية وليبرالية.. فقد كانت القاهرة تؤمن ان الثقافة هي التي تصنع شرعية الخلافة.. ولا تبيع لحم أنصار الحرية بالأرطال مثل لحم الجمال. ومثله مثل معظم المبدعين.. كانت الأم هي مصدر الرعاية.. والحضانة.. والأم كانت ــ على عكس الأب الذي كانت قدراته اللغوية بدائية ــ تعرف شكسبير جيدا.. وكثيرا ما راحت معه يجسدان (هاملت) .. الأمير الدنماركي الذي انتقم من قتلة أبيه.. وخيانة زوجة أبيه في خياله.. وأحب أوفيليا في خياله أيضا.. فهل كان ادوارد سعيد مثل كل مثقف.. روماني.. مثالي.. حالم.. هو الحالة السياسية والثقافية من هاملت؟ ان تأثير امه عليه تجاوز الروح والعقل والضمير وامتد الى الدم والمرض واللوكيميا.. فقد سبقته الى سرطان الدم والذي ماتت به بعد ثمانية أشهر.. واكتشف هو انه مصاب بعد ثمانية عشر شهرا من وفاتها.. وبوفاة الأم توقف عن كتابة خطاباته الاسبوعية لها.. لكنه عندما اكتشف اصابته باللوكيميا وجد نفسه في حاجة لكتابة خطاب لها.. وفي مذكراته ــ التي ترجمت الدكتورة فاطمة نصر فصلا منها عن (اللندن بوك ريفيو) ونشرته في مجلة (سطور) عدد يونيو 1999 يقول: (لقد تغلب حافز التواصل مع أمي على واقع موتها) .. وعلى واقع اصابته بالسرطان.. ولابد انه تذكر آخر ما قالته له بوضوح وحميمية وهي تودعه الوداع الأخير: (يا طفلي الصغير المسكين) .. وربما تذكر ايضا أوامرها الصغيرة التي كانت تصدرها بقوة جنرال في معركة حربية فاصلة.. (تدرب على البيانو يا ادوارد) .. (عد الي واجباتك المدرسية) .. (ابدأ موضوع الانشاء) .. (هل شربت اللبن؟ عصير الطماطم زيت كبد الحوت) .. (كل ما في طبقك) .. (من أتى على الشيكولاته؟ لقد اختفى كل ما في الصندوق يا ادوارد) . لقد جاء سرطان الدم لينافس سرطان الوطن.. في ليلة مدريد.. (بعد أربعين عاما من مغادرتي الشرق الاوسط الى الولايات المتحدة.. كنت في لندن لحضور حلقة نقاش نظمتها لبعض المفكرين والنشطاء الفلسطينيين.. كنا في موقف تفاوضي شديد الضعف بعد حرب الخليج ومؤازرة القيادة الفلسطينية.. الكارثة لصدام حسين.. كانت الفكرة من وراء اللقاء هي محاولة التوصل الى مجموعة من الحلول والأساليب الواضحة التي قد تساعد تقدمنا في اتجاه حق تقرير المصير.. أتينا من جميع أنحاء العالم الفلسطيني في الوطن والشتات.. أما ما دار في أثناء الاجتماع فكان احباطا بشعا.. تكرار لا ينتهي لمجادلات معروفة.. وعدم قدرتنا على تحديد هدف جماعي.. والرغبة الواضحة للانصات الى أنفسنا فقط.. باختصار لم ينتج عن ذلك سوى السباق الخفي المريب.. الغربي للفشل الفلسطيني في أوسلو) . في منتصف الجدل اتصل بزوجته مريم قرطاس في نيويورك.. ليعرف منها ان طبيبه الدكتور تشارلز هازي يريد ان يكلمه.. وعبر الهاتف عرف خبر اللوكيميا من الطبيب. ووقفت مريم الى جواره.. هي وطفلاه وديع ونجلاء.. ان مريم هي زوجته الثانية.. عرفها في رحلة الى بيروت في عام 1970 بعد طلاق زوجته الاولى.. الامريكية التي لم تستوعب حنينه وحماسه لعالمه القديم.. وتحوله من الدراسات الادبية الى المعارك السياسية.. ان هذه الزوجة هي التناقض الوحيد في حياته التي نجح في حسمه. لقد سافر الى الولايات المتحدة في عام 1951 ليلتحق بجامعة برنستون.. وحتى بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة هارفارد لم يكن حسه السياسي ـ باعترافه ـ قد تبلور.. وهذا الحس لم يتبلور الا بعد حرب يونيو 1967 التي عاشها على الجانب الآخر في بلاد العشق بلا حدود لاسرائيل.. الولايات المتحدة الامريكية.. فقد وجد نفسه هناك غارقا في بحور من البلف واللف.. التهويش والتشويش.. وكشف ان هذه البلاد تحترف التجارة.. ولا تعرف الحضارة.. وتستنشق العداء للعرب مع الهواء.. فسعى لأن يسترد دوره وهويته.. وينحاز من جديد الى عروبته.. فقام وهو استاذ الادب المقارن بجامة كولومبيا والحاصل على جوائز اكاديمية عالية القيمة بتنشيط الوعي الامريكي تجاه القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية.. وعرفه المثقفون في العالم العربي عند ترجمة كتابه (الاستشراق) وهو دراسة عن التصورات الغربية الخاطئة عن العالم الاسلامي.. وقد ترجم الكتاب ـ الذي جاء في وقته المناسب ـ الى أكثر من 15 لغة.. واثار من الجدل ما يساوي قيمته. وقد اتبع هذا الكتاب بكتب اخرى دعمت مكانته.. منها (المسألة الفلسطينية) في عام 1979 و(تغطية الاسلام) في عام 1981.. واخر كتبه (الثقافة الامبريالية) في عام 1988. بتزايد حدة المرض على كريات الدم الليمفاوية بدأ يشعر بالحنين الى وطنه.. فلسطين.. ذهب اليه في عام 1992 مع زوجته وأولاده لاول مرة بعد 45 سنة.. لقد تمنى ان يلمس الاشياء هناك.. يتنفسها.. يجدد بها خلاياه التي كانت تستعد لمواجهة العلاج الكيميائي.. وقد بدأه في مارس 1994 ـ لكنه قبله.. اراد بكامل طبيعته التي خلقها الله عليها ان يزور كل اماكنه القديمة.. ويستعيد ذكرياته البعيدة.. فكان لابد من السفر الى القاهرة في يوليو 1993.. او (مراتعه الاولى) على حد تعبيره في مذكراته التي بدأ في كتابتها في مايو 1994 قبل ان ينهشه ذلك الوحش الذي لا يرحم.. لقد كان التذكر بديلا للاوراق.. والكتابة اقوى وسيلة للمقاومة.. انه يقول لنفسه كل يوم وقبل كل رحلة.. (انك قادر على الحركة) .. (انك قادر على السفر) .. (لن تخاف من الضياع) .. (المستقبل لا يزال قارئا يحمل اليك الفرصة لتغيير الحياة) .. لكنه في ذلك الجزء من مذكراته الذي نشر لا يتردد في ان يضيف بصراحة.. (ولكنك اعرف ايضا اكتئاب الرحيل واحسد اولئك الذين يبقون في اماكنهم.. لا يعكر صفو وجوههم الحس بالاغتراب.. سعداء وسط عائلاتهم.. يرتدون ملابس ومعاطف مطر مريحة على مرأى ومسمع من الجميع) . ويستطرد في حالة من الصوفية الشعرية التي تعصر القلب فلا تبقي فيه بعدها نبضا ولا قلقا: ثمة شيء في حالة اختفاء من يرحل.. هل هو مفقود ام مفتقد؟.. هل هو منفي ام يصحبك بعيدا عن كل ما تشقى منه؟ ويتذكر ساعات أمه الاخيرة.. يتذكرها وهي تقول له (ما بدي اتعذب) .. لم تخض تجربة العلاج الكيميائي التي خاضها.. لكنها رغم ذلك لم تستطع النوم.. لا بالصلاة.. ولا بالاقراص المخدرة.. (ساعدني على النوم يا ادوارد) .. لكن ادوارد لم يقدر على مساعدتها.. ولا على مساعدة نفسه.. فهو مثلها لم يعد يملك سر النوم الطويل.. لكنه.. يقدر على ان يستغل اليقظة الاجبارية في ان يعيد تعريف ذاته.. وان يسرد تجربة حياته.. وان يشغلنا ويشغلنا بكل افكاره وخواطره.. بكل ذكرياته ومذكراته التي اشعر انها ستكون واحدة من امتع واهم ما انتجه عقل مثقف لم يفقد الوعي ولا الاحترام ولم يخن نفسه ولا وطنه.. لا يعرف فيه غالبية من يفكرون ويكتبون الفرق بين التفكير والتكفير.. بين الكتابة والنميمة.. بين الانسان والجدران.. بين الناس والحراس. لقد كان واضحا.. حاسما.. قاطعا.. باترا وهو يشرح ما يجري في اسرائيل بعد سقوط نتانياهو.. وفوز باراك.. انه يرى ان نتانياهو هو الواضح السافر في التعبير عن الايديولوجية الصهيونية.. ولا فرق بينه وبين باراك سوى ان باراك الثاني ينفذ اهداف اسرائيل على طريقة وضع السم في العسل.. نتانياهو يقول انه قاتل محترف ويحذرنا من السلاح الذي يشهره.. وباراك يأخذنا بالاحضان.. ويدوخنا بالعطور النفاذة والكلمات المعسولة ثم يطعننا بالخنجر.. معلنا بعد فوات الاوان: ان من الحب ما قتل.. من الحب ما ادى الى مزيد من هضم الحقوق وابتلاعها. وقد وافقني ادوارد سعيد في هذا الحوار ـ الذي كان فيه كلامه هامسا وطعامه قليل ـ على ان سقوط نتانياهو لم يكن بسبب رغبة اسرائيلية عارمة للسلام.. وانما لاسباب داخلية اشتعلت في اسرائيل بعد اغتيال رابين بين المتطرفين دينيا والعلمانيين فكريا.. وهو صراع عبرته مصر بسلام بعد اغتيال انور السادات بعد ان سقط ضحايا.. وسادت مخاوف.. وسيطرت هواجس.. كما ان اسرائيل التي تدمن عقدة الجيتو لا تعرف كيف تواجه انفتاحا اجباريا على الكون في ظل ما يسمى بالعولمة.. فبين العلمانية والعولمة خاضت اسرائيل معركتها الانتخابية.. اما نحن بكفن السلام الذي نحمله على ايدينا فقد بدا في نهاية الصورة محاطا بالغموض والظلام حتى لو كنا قد اعطينا لانفسنا دورا اكبر من دور المتفرج على مباراة.. يتبارى الفريقان فيها على ابتلاعنا.. كلا على طريقته الخاصة.. احدهما بأسنانه.. والاخر بالشوكة والسكين.. وهو الذي فاز في المباراة. وكان رأي ادوارد سعيد ان باراك ليس سوى جنرال من جنرالات العمليات الخاصة الذي لم يتخرج في أي مدرسة سياسية.. والكلام عن حسه الموسيقي المرهف.. هو كلام من عزف كمان يسبق اطلاق الرصاص. لقد كانت دعوة شهية على عشاء من مضيف كان يعرف جيدا ـ بحكم قدرته الفائقة على الفهم والمتابعة ـ ان الطبق الرئيسي الذي سيلتهمه المدعوون هو افكار مثقف شجاع محترم هو ادوارد سعيد.. مع التقدير والاعجاب والحماس للاطباق الاخرى. * كاتب صحفي مصري